اقتصاد

العين الاقتصادية | حين تصبح الضريبة رسالة: قراءة في فلسفة الدولة المغربية من خلال أسعار التبغ الجديدة

بقلم: آيت الزي يونس

في أعقاب عام 2025: الضريبة كرسالة سياسية واجتماعية

في الأيام الأخيرة من عام 2025، صدر قرار ضريبي يبدو تقنياً للوهلة الأولى: منشور إدارة الجمارك رقم 6704/214، الذي يحدد أسعار التبغ وضرائبه لعام 2026. لكن الغوص في تفاصيل هذه الوثيقة، التي تتجاوز عشرين صفحة، يكشف عن قصة أعمق؛ إنها قصة محاولة الدولة موازنة إشكالات متناقضة: بين حاجتها للإيرادات المالية وحماية صحة مواطنيها، وبين منطق السوق وقواعد العدالة الاجتماعية. إنها وثيقة لا تفرض أسعاراً فحسب، بل تبثُّ رسائل.

الضريبة كلغة: ماذا تقول الأرقام؟

للوهلة الأولى، يظهر الجدول قائمة لا تنتهي من المنتجات: بدءاً من سجائر “بوند ستريت” و”نيكست كلاسيك” البسيطة بسعر 22 درهماً، وصولاً إلى سيجار “كوهيبا BHK 54” الفاخر الذي يقترب سعره من 2500 درهم للسيجار الواحد. غير أن التحليل الاقتصادي الأولي يكشف عن نمط واضح: الضريبة ليست نسبة ثابتة، بل هي خطاب مُشفّر.

فبينما تصل الضريبة على “بوند ستريت” إلى حوالي 7.5 دراهم (ما يعادل 34% من السعر)، فإنها تقفز إلى أكثر من 24 درهماً على “دافيدوف كلاسيك” (بنسبة 58% من سعره البالغ 42 درهماً). هذا التفاوت ليس عشوائياً، بل يعكس افتراضاً اقتصادياً وسلوكياً مفاده أن مستهلك السجائر الفاخرة أقل حساسية لارتفاع السعر وأكثر قدرة على الدفع؛ وبالتالي يمكن للدولة تحصيل إيراد أعلى منه دون أن تدفعه بالضرورة للتوقف عن الاستهلاك. إنه نموذج ضريبي يعترف ضمناً بالفوارق الطبقية ويستثمرها لتعظيم الإيرادات.

المعادلة المستحيلة: بين الصحة والخزينة

هنا يبرز أحد أكبر التناقضات في قلب هذه السياسة. فمن جهة، تعلن الدولة أن رفع أسعار التبغ يهدف إلى خفض الاستهلاك تماشياً مع السياسات الصحية العالمية، وهو ما يُعرف بـ “الضريبة الصحية”. لكن من جهة أخرى، يُشكل التبغ مصدراً حيوياً وموثوقاً للإيرادات الضريبية؛ فكلما نجحت السياسة في ثني الناس عن التدخين، تقلصت القاعدة الضريبية وتراجعت المداخيل.

لذا، تسير السياسة على حبل مشدود؛ فعليها رفع الأسعار بدرجة كافية لزيادة الإيرادات من المدخنين “المقاومين”، دون تجاوز الحد الذي يدفع قطاعاً كبيراً منهم إلى الإقلاع أو التحول نحو “السوق الموازي” (التهريب). إنها موازنة بين هدفين متضاربين: الصحة مقابل المال. ويظل الصمت حول تخصيص جزء من هذه الإيرادات الضخمة —المقدرة بمليارات الدراهم— لتمويل برامج مكافحة التدخين أو دعم النظام الصحي، يزيد من حدة التساؤلات المشروعة.

منتجات جديدة وأسئلة قديمة: لغز التبغ المسخن

تطرح الوثيقة لغزاً آخر عبر إدراجها لمنتجات جديدة مثل “هيتس” (Heets) و”تيريا” (Terea) (التبغ المسخن). هذه المنتجات سُجلت بأوزانها وأسعارها (35 درهماً للعلبة)، لكن دون ذكر صريح لقيمة الضريبة المفروضة عليها. هذا الغياب يثير التأمل في ظل الدعاية التي تقدم هذه المنتجات بوصفها “بديلاً أقل ضرراً”.

هل يعني ذلك أن الدولة تتريث في فرض ضريبة عالية لتشجيع المدخنين على التحول إلى ما يُعتقد أنه أقل خطراً؟ أم أنها ببساطة لم تضع بعد الإطار الضريبي النهائي لهذا السوق الناشئ؟ في كل الأحوال، تترك هذه الثغرة الباب مفتوحاً أمام تساؤلات عن العدالة الضريبية بين المنتجات، وعن مدى اتساق السياسة مع خطابها الصحي الموحد.

الضريبة كمرآة اجتماعية

عند القراءة المتأنية، تتحول قائمة الأسعار هذه إلى مرآة تعكس تصوراً عن المجتمع؛ فهي تفترض وتصنّف. فالسجائر الرخيصة، التي يستهدفها غالباً الشباب وذوو الدخل المحدود، تحمل ضريبة نسبية أخف، وكأن الدولة تقول: “نرفع السعر، ولكن ليس إلى الحد الذي يحرم هذه الفئة أو يدفعها بالكامل نحو التهريب”. بينما المنتجات الفاخرة تُفرض عليها ضرائب قوية، في إشارة إلى أنها سلع كمالية تخص فئة مقتدرة، وأن على الدولة أن تأخذ منها نصيباً أكبر.

لكن هذا المنطق يحمل في طياته إشكالاً أخلاقياً: هل من العدالة أن ترتبط الضريبة على التبغ —وهو منتج ضار بصرف النظر عن علامته التجارية— بالقدرة المالية للمستهلك وليس بدرجة الضرر الصحي؟ ألا يجعل هذا السياسة أقرب إلى “ضريبة رفاهية” منها إلى “ضريبة صحية”؟

نحو سياسة ضريبية شفافة ومتكاملة

المنشور 6704/214 هو أكثر من مجرد جدول أسعار؛ إنه وثيقة سياسية واقتصادية معقدة، تروي محاولة الدولة لإدارة تناقضات صارخة عبر آليات السوق، وتعكس أولويات مفترضة عن سلوك المواطن.

إن نجاح أي سياسة ضريبية، خاصة حين تلمس قضايا حساسة كالصحة العامة، لا يعتمد فقط على دقة الحسابات، بل يعتمد أيضاً على الشفافية والعدالة. فالمطلوب ليس مجرد إصدار جداول، بل إطلاق حوار واضح: أين ستُصرف هذه الإيرادات؟ وكيف ستوازن الدولة بين غاياتها المالية ومسؤوليتها الصحية؟ وكيف ستواجه تحدي التهريب الذي يزداد إغراءً مع كل زيادة سعرية؟

الضريبة أداة قوية للتغيير الاجتماعي، بشرط أن تكون جزءاً من عقد واضح بين الدولة والمواطن؛ عقد يُفهم منطقه، وتُرى نتائجه في تحسين الخدمات الصحية والرفاه الاجتماعي. عندها فقط، ستتحول من مجرد رقم في جدول، إلى رافعة حقيقية لتحسين حياة المجتمع.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى