لم يعد مفهوم الإعاقة في الفكر المعاصر مجرد خلل عضوي أو قصور بيولوجي يستوجب الترميم، بل أضحى يفهم كاضطراب عصبي نمائي (…) فالعجز لا يسكن في جسد الفرد فقط، بل لحظة التصادم بين خصوصية الذات وعوائق البيئة. فحين نرفع شعار الدمج في الفضاءات العامة أو المؤسسات التعليمية المغربية، فإننا لا نتحدث عن مجرد إيواء مكاني للأجساد بل عن عملية إعادة هيكلة (Restructuration) شاملة للتمثلات الذهنية والأنظمة السوسيو-معرفية.
إن الدمج الحقيقي ليس هبة اجتماعية أو منحة قانونية، بل شرط ضروري لتحويل ما نراه ”إعاقة” إلى طاقة تتجاوز حدود النقص المفترض. فالبيئة الدامجة هي التي تمنح الفرد ما يسمى بالإمكانية (L’Affordance)، أي مجموع الإمكانات والمحفزات التي تسمح بتفجير قدرات كامنة وابتكار استراتيجيات تكيفية (Stratégies compensatoires) مذهلة.
لكن هل نجحنا في الانتقال من الدمج الشكل الذي يكتفي بفتح الأبواب، إلى الاحتواء النفسي الذي يحرر الإرادات؟ وكيف يمكن أن نعيد تعريف الكفاءة البشرية بعيدا عن معايير النمطية السائدة؟
لم يعد ينظر للإعاقة بوصفها سمة ملازمة للفرد، بل هي نتيجة لتفاعل غير متكافئ بين شخص بخصائص معينة وبيئة مصممة لنمط واحد من البشر. هنا يظهر مفهوم العائق البيئي (L’obstacle environnemental) فالمدرسة التي لا تتوفر على ولوجيات تقنية أو بيداغوجية لا تستقبل طفلا في وضعية إعاقة، بل هي التي تعيقه عن ممارسة إنسانيته وقدراته التعلمية. لكي لا تظل عملية الدمج مجرد شعار، يجب أن تنبني على مفهوم الضبط المتكامل (L’ajustement réciproque). لا يكفي أن نطلب من الشخص في وضعية إعاقة أن يتكيف مع محيطنا، بل على المحيط أن يبنى بشكل جديد ليتسع لهذا التنوع.
عندما نوفر للأطفال في وضعية إعاقة بيئة دامجة، فنحن لا نغير إعاقتهم بيولوجيا، بل نغير نظام الإكراهات (Le système de contraintes) المحيط بهم. هذا التغيير يسمح بظهور وظائف نفسية ومعرفية جديدة كانت مخفية بسبب الإقصاء، فالثقة والشعور بالانتماء (Le sentiment d’appartenance) هي قوى نفسية تنبثق فقط عندما يشعر الفرد أن البيئة تخاطبه وتثق في إمكاناته.
يصبح الدمج هنا طاقة لأنه يحول العائق من نهاية للطموح إلى تحد للإبداع، فالشخص الذي يجد بيئة ميسرة لا يستهلك طاقته الذهنية في محاولة البقاء أو تجاوز الحواجز المادية، بل يفرغ تلك الطاقة في الابتكار (L’innovation) والتعلم والإنتاجية. إنها عملية تحول جذري من البقاء (La survie) إلى الازدهار (L’épanouissement)، وهي جوهر ما يجب أن تحققه السياسات العمومية في المغرب بعيدا عن منطق الرعاية الساكنة.
عندما يتحول الدمج من إجراء إداري إلى واقع، ننتقل من المرونة النفسية إلى النمو الإبداعي، فالقدرة الفريدة التي يطورها الشخص في وضعية إعاقة لإعادة تنظيم جهازه النفسي والمعرفي بناء على معطيات بيئته الدامجة هي قدرة تنبثق من السياق (الاسرة، المدرسة، مؤسسات الرعاية، برامج التدخل…). فالطفل الذي يمنح حق المشاركة لا يكتفي بالتعلم، بل يتفجر لديه الشعور بالكفاءة الذاتية (Le sentiment d’auto-efficacité)، وهو المحرك الذهني الذي يحول العجز المفترض إلى ذكاء تعويضي يبهر المحيط.
لكن الأبعاد المساعدة للدمج لا تتوقف عند الشخص في وضعية إعاقة، بل تمتد لتشمل كل المؤسسات الاجتماعية. فوجود التنوع داخل الفصل الدراسي أو بيئة العمل يفرض على الآخرين (الأسوياء نمطيا) تحديث مخططاتهم الذهنية (Les schémas cognitifs). الدمج هنا يعمل كمحفز لتطوير التعاطف الإيجابي (L’empathie positive) والقدرة على حل المشكلات بطرق غير تقليدية. إن المجتمع الذي يدمج الإعاقة هو مجتمع يتدرب يوميا على المرونة ويصبح أكثر قدرة على استيعاب كل أشكال الاختلاف البشري، بحيث يحول البيئة من نسق جامد إلى نسق حي ومتطور.
إن هذه الطاقة هي التي تكسر حلقة الوصم الذاتي (l’auto-stigmatisation). فعندما يرى الشخص في وضعية إعاقة نفسه كعنصر فاعل ومساهم في النسق، يتوقف عن رؤية ذاته من خلال نظرة النقص التي يكرسها المجتمع. هنا يظهر مفهوم الذات الفاعلة، حيث تصبح الإعاقة مجرد خصوصية وليست ماهية الشخص. هذا التحول الهوياتي هو أقوى التجليات التي يحتاجها الفرد، لأنه يتحرر من سجن الانتظار ويقذفه في صلب المبادرة والمواطنة الكاملة.
رغم الترسانة القانونية والخطابات التي تحث على التغيير لا يزال الانتقال من الدمج المكاني إلى الاستيعاب الوظيفي يواجه جدارا من الممانعات البنيوية. فأولى هذه العوائق تكمن في الهندسة الذهنية (L’architecture des mentalités)، حيث لا يزال المجتمع ينظر إلى التنوع الجسدي كحالة تستوجب الرعاية أو الإحسان، بدلا من كونه حقا أصيلا يتطلب تهيئة المحيط. هذا التمثل يضع الفرد في خانة المتلقي السلبي، مما يحجب فرص ظهور قدراته الذاتية ويجعل من وجوده داخل المدرسة أو المقاولة مجرد تأثيث للفضاء لا غير.
على المستوى المؤسساتي يبرز الفراغ التنظيمي (Le vide réglementaire) كعقبة أساسية، فغياب قوانين دقيقة تحدد مسؤوليات كل طرف داخل المنظومة التعليمية والمهنية يجعل من تجربة الدمج مغامرة فردية تعتمد على (نية) المسؤولين وليس على قوة النظام. هذا التذبذب التنظيمي يولد حالة من عدم الأمان (L’insécurité professionnelle) لدى المتدخلين، ويحول دون توفر المرافقة التقنية والذهنية اللازمة لمواكبة هذه الفئات. فلا يمكن الحديث عن تحرر الطاقات في بيئة تفتقر إلى الترتيبات التيسيرية (Les aménagements raisonnables) التي تضمن تكافؤ الفرص في الوصول إلى المعلومة والمشاركة الفعالة.
كما تلعب العوائق السوسيو-اقتصادية دورا في تعميق الفجوة، حيث تتحول (الإعاقة) في غياب الدعم المؤسساتي المقنن إلى عبء مادي على الأسر، مما يؤدي إلى انسحاب الفرد من الفضاء العام وانكفائه على ذاته. إن الدمج لكيلا يظل مجرد شعار للاستهلاك الإعلامي يتطلب الانتقال إلى مرحلة الالتزام الهيكلي (L’engagement structurel)، وهو الالتزام الذي يبدأ بتقنين المهنيين المساعدين، وينتهي بتصميم سياسات عمومية ترى في هذا التنوع رافعة للتنمية وذكاء اجتماعيا جديدا، وليس مجرد مشكلة تطلب الحلول الترقيعية.
يظهر جليا أن العبور من ضفة الشعارات إلى الواقع يتطلب أكثر من مجرد نصوص قانونية جامدة، إنه يتطلب إرادة حقيقية لإعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يضمن الحق في الاختلاف. إن تحرير القدرات الكامنة لدى الأفراد ليس ترفا فكريا، بل هو ضرورة حيوية لبناء مجتمع متوازن ومتصالح مع تنوعه. لا يمكننا الحديث عن تنمية شاملة بينما لا تزال الولوجيات الذهنية والتشريعية تعيق طاقات فئة عريضة من المواطنين.
إن الخطوة القادمة للمغرب يجب أن تتركز على تقنين القطاع بصرامة، وضمان مرافقة مهنية مؤهلة تقطع مع العشوائية والإحسان وتؤسس لمرحلة الحقوق. إن الاستثمار في تهيئة المحيط وتأهيل الكوادر البشرية ليس تكلفة مادية، بل هو استثمار في القدرات الفردية للمغاربة. فالمجتمع الذي ينجح في احتواء الجميع هو المجتمع الذي يضمن لنفسه مستقبلا أكثر مرونة وقوة وإبداعا.