سيكولوجي

المغاربة والعلاج النفسي: البحث عن الثقة المفقودة

نوح الهنداز

تتشكل الهوية النفسية للرجل المغربي داخل منظومة معقدة من التصورات التي تتجاوز مجرد السلوك الفردي لتصبح قانونا غير مكتوب يوجه حياته. نحن أمام وعي جمعي يحرص على إعادة إنتاج صورة الرجل كيان وظيفي صلب، حيث تعتبر المشاعر في عرف هذه المنظومة ليست جزءا من إنسانيته، بل مجرد “تشويش” يجب إخفاؤه أو تجاهله لضمان استمرار صورته كعائل وحام للأسرة. هذا الجمود الفكري يجعل من الصعب على الرجل المغربي تقبل فكرة الدعم/العلاج النفسي كحاجة حيوية، بل يراها غالبا ضعفا أو خللا في نظام التحكم الذاتي الذي نشأ عليه (تربية: الرجل لا يبكي). في عمق هذا النقاش تبرز إشكالية كبيرة: متى يقرر الرجل المغربي كسر جدار الصمت؟

المعطيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية والتقارير الوطنية تصدمنا بواقع مرير، إذ أن حوالي 48.9% من المغاربة عانوا أو يعانون من اضطراب نفسي في فترة ما من حياتهم. ورغم هذه النسبة المرتفعة نجد هوة شاسعة بين النساء والرجال في الإقبال على المصحات والعيادات النفسية. فالرجل المغربي يقع ضحية وهم الكفاءة الذاتية، حيث يعتقد أن البوح بمشاكله أو الاعتراف بمرضه يجب أن يظل حبيس نفسه، وأن الرجل الحقيقي هو من يحل مشاكله بنفسه وبصمت.

هذا الرفض لطلب المساعدة لا يأتي من فراغ، بل يتغذى أيضا من الفوضى التشريعية التي يتخبط فيها قطاع الصحة النفسية بالمغرب. ففي ظل غياب إطار قانوني واضح يحمي لقب الأخصائي النفسي، يفتقد الرجل للمحفز الذي يمنحه الثقة للبوح بأسراره. الرجل بطبعه يحتاج إلى شرعية ومؤسسات واضحة قبل أن يكشف عن هشاشته.

إن غياب هيئة وطنية وتقنين مهنين صارمين يترك المجال لما يمكن تسميته بالضبابية المعرفية، حيث لا يستطيع المواطن التمييز بين المعالج الأكاديمي المختص وبين المؤثرين أو الكوتشينك الذين يملؤون منصات التواصل الاجتماعي. أمام هذا الخلط يفضل الرجل المغربي اتخاذ القرار الأكثر أمانا من وجهة نظره: الانسحاب والبقاء خلف جدار الصمت بدلا من الوقوع في يد غير المختصين.
إن الخروج من هذه الزوبعة الذهنية يتطلب تجاوز في منظومة المعتقدات التي تربط بين القوة والصمت. فصحة الرجل المغربي ليست مجرد غياب للمرض، بل هي قدرته على المصالحة بين قوته العملية وهشاشته الإنسانية. من هنا تصبح مهنة الأخصائي النفسي في المغرب ضرورة استعجالية لترميم جسر الثقة لدى المجتمع المغربي والرجال على وجه الخصوص، وضمان أن خروجهم من الصمت سيقابله احتواء علمي ومؤسساتي يحمي توازنهم ويصون كرامتهم.

إن استمرار الفراغ القانوني في تنظيم هذا القطاع لم يعد مجرد تأخر إداري، بل أصبح عائقا حقيقيا أمام التوازن المجتمعي. فبينما يعاني الرجل من قيود الرجولة التقليدية، يجد نفسه أمام قطاع مفتوح على كل الاحتمالات (العشوائية)، مما يفاقم حالة عدم الثقة في المؤسسات العلاجية.

لذا يوجه هذا المقال نداء مباشرا إلى وزارة الصحة والحماية الاجتماعية وكافة المشرعين، للإسراع بإخراج قانون ينظم المهنة وإحداث”هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين. إن هذا المجال هو الضمانة العلمية الوحيدة التي ستشجع المغاربة على كسر صمتهم، وتحميه من السقوط في فخ تجار الأزمات النفسية.
إن الاستثمار في الصحة النفسية للرجل والمرأة، باعتبارهما الركيزة الأساسية في الأسرة والاقتصاد، هو استثمار في المناعة الوطنية. لقد حان الوقت لنفهم أن الصحة النفسية ليست ترفا، بل هي ركيزة الأمن الصحي للمملكة، فالمواطن السليم نفسيا هو الوحيد القادر على البناء والإبداع في مغرب الغد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى