مجتمع

الطفولة في قلب السياسات العمومية

بقلم: نوح الهنداز

تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل المنعقدة سنة 1989 الصك القانوني الدولي الأكثر شمولا، حيث وضعت حجر الأساس لرؤية عالمية تعتبر الطفل ذاتا حقوقية وليس مجرد كائن يحتاج للرعاية. يرتكز عمل هذه الاتفاقية على أربعة مبادئ جوهرية:
– الحق في البقاء.
– الحق في النماء.
– الحماية من العنف والاستغلال.
– الحق في المشاركة.
تعتمد آليات عملها على لجنة حقوق الطفل بجنيف، التي تراقب مدى التزام الدول الأطراف عبر تقارير دورية ترفعها الحكومات وتناقشها اللجنة بحضور الخبراء والمجتمع المدني. انخرط المغرب مبكرا في هذا المسار الكوني، حيث صادق على الاتفاقية في 21 يونيو 1993، معلنا بذلك التزامه السياسي والقانوني بجعل مصلحة الطفل الفضلى تسمو فوق كل اعتبار.

لم تكن هذه المصادقة مجرد إجراء شكلي بل شكلت انطلاقة لورش تشريعي ومؤسساتي واسع استهدف ملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية. وقد تعزز هذا المسار لاحقا بالمصادقة على البروتوكولات الاختيارية المتعلقة ببيع الأطفال واستغلالهم وإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة وكذا بروتوكول إجراء تقديم البلاغات.

تتجلى أساليب عمل الاتفاقية في المغرب من خلال نظام التقارير الدورية، حيث تلتزم المملكة بتقديم تقارير وطنية شاملة حول وضعية الطفولة كل خمس سنوات. هذه التقارير لا تعدها الحكومة بمفردها، بل تمر عبر سيرورة تشاركية تشمل المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، والقطاعات الحكومية المعنية، والمؤسسات الدستورية كالمجلس الوطني لحقوق الإنسان. الهدف هو رصد المكتسبات وتشخيص النواقص في مجالات حيوية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. على المستوى المؤسساتي برز المرصد الوطني لحقوق الطفل الذي تأسس سنة 1995 برئاسة صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، كآلية يقظة وطنية لمتابعة تنفيذ الاتفاقية. يعمل المرصد كقوة اقتراحية وتنسيقية بين مختلف الفاعلين ويشرف على مبادرات رائدة مثل برلمان الطفل، الذي يعد تجسيدا حقيقيا لمبدأ المشاركة المنصوص عليه في المادة 12 من الاتفاقية، حيث يسمح للأطفال بالتعبير عن آرائهم في السياسات التي تهمهم أمام أعضاء الحكومة والبرلمان.

على الصعيد التشريعي فقد أثمر التفاعل مع الاتفاقية إصلاحات جذرية لعل أبرزها مدونة الأسرة لسنة 2004، التي رفعت سن الزواج إلى 18 سنة (مع وجود استثناءات قضائية لا يزال النقاش قائما حولها)، وقانون الحالة المدنية وإصلاح القانون الجنائي لتشديد العقوبات على جرائم الاعتداء والاستغلال الجنسي ضد القاصرين. كما تم إحداث الأجهزة الترابية المدمجة لحماية الطفولة كآلية محلية تهدف إلى تقريب خدمات الحماية من الأطفال في وضعية هشاشة بمدن مغربية مختلفة.

شاركت المملكة المغربية في تطوير أدوات العمل الأممية بشكل فعال، حيث كان المغرب من أوائل الدول التي استجابت للتوصيات الختامية للجنة الأممية بجنيف. ولم يكتفِ المغرب بالجانب التقريري بل انخرط في شراكات استراتيجية مع منظمة اليونيسف لتنفيذ برامج ميدانية تهم التربية الإيجابية ومحاربة الهدر المدرسي خاصة في الوسط القروي وتطوير أنظمة لجمع البيانات والإحصائيات الدقيقة حول الطفولة لتسهيل عملية التقييم.

في أفق 2025 شهد المغرب قفزة في مؤشرات حقوق الطفل الدولية، حيث احتل مراتب متقدمة إقليميا (المرتبة الأولى مغاربيا حسب تقارير دولية لعام 2024). هذا التقدم يعزى إلى إطلاق السياسة العمومية المندمجة لحماية الطفولة التي تهدف إلى توحيد جهود جميع المتدخلين تحت مظلة واحدة، والتركيز على الوقاية قبل العلاج وضمان بيئة آمنة للأطفال خالية من جميع أشكال العنف.
لا تزال هناك تحديات بنيوية يواجهها المغرب في هذا الصدد ترتبط أساسا بتفاوت فرص الولوج إلى الخدمات بين الحواضر والقرى، وظاهرة تشغيل الأطفال في القطاعات غير المهيكلة، واستمرار زواج القاصرين. مع ذلك فإن الدينامية التي أحدثتها الاتفاقية الأممية جعلت من قضية الطفولة قضية مجتمعية عابرة للقطاعات وليست مجرد ملف اجتماعي ثانوي، وهو ما يؤكد وعي الدولة بأن الاستثمار في الطفل هو استثمار في رأسمال بشري يضمن استدامة التنمية.

يعد المجلس الوطني لحقوق الإنسان حلقة وصل أساسية في مراقبة تنفيذ الاتفاقية، حيث أحدث الآلية الوطنية للتظلم الخاصة بالأطفال ضحايا انتهاكات حقوق الطفل. هذه الآلية تمنح الأطفال أو من يمثلهم إمكانية وضع شكايات مباشرة عند التعرض لأي حيف، مما يعزز من سيادة القانون ويجعل الاتفاقية نصا حيا يطبق على أرض الواقع، وليس مجرد حبر على ورق في الرفوف الدبلوماسية.

يمكن القول إن مسار المغرب مع اتفاقية حقوق الطفل هو مسار تحول من الرعاية الإحسانية إلى الحماية الحقوقية. إن المشاركة المغربية الفاعلة في الآليات الأممية تعكس رغبة حقيقية في الانخراط في المنظومة الكونية لحقوق الإنسان، مع مراعاة الخصوصيات الوطنية التي تدفع نحو تجويد النصوص وتنزيلها بشكل يضمن لكل طفل مغربي الحق في الحلم وفي مستقبل أفضل داخل وطنه.

المصادر المعتمدة:
1. نص اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل (1989).
2. التقارير الدورية للمملكة المغربية المرفوعة للجنة حقوق الطفل بجنيف (2020-2024).
3. تقارير المرصد الوطني لحقوق الطفل (ONDE).
4. مؤشر حقوق الأطفال (2024/2025).
5. تقرير اليونيسف المغرب حول حماية الطفولة والسياسات العمومية المدمجة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى