اقتصاد

العين الاقتصادية | الحرب الأمريكية على فينزويلا وتداعياتها الاقتصادية على المغرب

آيت الزي يونس

في عالم تتداخل فيه الخيوط الاقتصادية بشكل معقد،لا تبقى الصراعات الجيوسياسية حبيسة حدودها.

المشهد المتأزم حالياً في فنزويلا، مع تصاعد حدة التهديدات الأمريكية بفرض حصار شامل أو حتى خيار عسكري، لا يهدد فقط استقرار أمريكا اللاتينية، بل يمتد تأثيره كموجات تسونامي اقتصادية لتصل إلى شواطئ اقتصادات بعيدة مثل الاقتصاد المغربي. تحليل هذه التداعيات يتطلب نظرة ثنائية:

ماكرو اقتصادية على النظام العالمي للنفط، وميكرو اقتصادية على الشركات والمستهلك المغاربة.

على المستوى الماكرو: زلزال في سوق النفط العالمي
فنزويلا ليست دولة عادية في خريطة الطاقة؛ فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، متفوقة حتى على السعودية.

أي اضطراب حاد في إنتاجها أو تصديرها سيخلق صدمة عرضية في السوق العالمية.

1. ارتفاع حاد في الأسعار: حتى مع وجود فائض معين حالياً، فإن إزالة إمدادات فنزويلا (أو جزء كبير منها) من المعادلة ستطلق العنان للتكهنات، وستسرع في استنزاف المخزونات الاحتياطية. قد تدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة منذ حرب أوكرانيا، مكبّلةً بقيود إنتاج أوبك+.

2. إعادة رسم تحالفات الإمداد: ستسارع الدول المستوردة الكبرى (كالهند والصين) لتعويض النقص من موردين آخرين، مما قد يحوّل التجارة العالمية للنفط ويرفع تكاليف النقل والشحن، وهو عامل إضافي يرفع السعر الفعلي.

3. تأجيج التضخم العالمي: النفط هو شريان الصناعة الحديثة. ارتفاع ثمنه يرفع تكاليف الإنتاج والنقل لكل شيء، من الغذاء إلى السلع المصنعة، مما يضغط على البنوك المركزية لمحاربة التضخم المستورد بسياسات نقدية أكثر تشدداً، مما يبطئ النمو العالمي.

على المستوى الميكرو: ضغوط مباشرة على الاقتصاد المغربي
هنا تتحول الأرقام العالمية إلى فواتير وموازنات يومية للمغرب:

1. فاتورة الطاقة: العبء الأكبر

الميزانية: المغرب يستورد أكثر من 90% من احتياجاته الطاقية. أي ارتفاع في سعر برميل النفط يترجم مباشرة إلى فاتورة استيراد منتفخة، مما يزيد العجز التجاري ويضغط على الاحتياطيات من النقد الأجنبي.

 الدعم: قد تضطر الحكومة إلى زيادة الدعم الموجه للوقود (رغم سياسة التحرير التدريجي) لتخفيف الصدمة الاجتماعية، مما يستنزف موارد مالية كانت يمكن توجيهها للاستثمار في الصحة أو التعليم.

 المستهلك والمنتج: ترتفع تكاليف النقل، مما يرفع أسعار السلع في السوق المحلية. كما ترتفع تكاليف التشغيل في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (كالإسمنت والكيماويات)، مما يقلص هوامش ربحها ويضعف قدرتها التنافسية التصديرية.

2. قطاع السياحة: ضربة مزدوجة
تكاليف السفر: قد يؤدي ارتفاع أسعار وقود الطائرات إلى رفع تذاكر السفر، مما قد يثبّط بعض السياح الأوروبيين، الذين يشكلون العمود الفقري للقطاع.

القوة الشرائية: التضخم المستورد في دول المنشأ (أوروبا) قد يقلص الدخل المتاح لمواطنيها للسفر، مؤثراً على القرارات الترفيهية.

3. الاستثمارات والتجارة غير المباشرة:
قد يؤدي الاضطراب الجيوسياسي العالمي إلى نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة بحثاً عن الملاذات الآمنة، مما يزيد من تقلبات سوق الأوراق المالية المغربية وصعوبة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة. كما أن أي ركود عالمي محتمل يقلل الطلب على الصادرات المغربية (كالفوسفات والسيارات).

عوامل التخفيف والمرونة المغربية:
لا ينبغي قراءة الصورة باللون الأسود فقط. فالاقتصاد المغربي لديه خطوط دفاع:

 تنويع الموردين: لا يعتمد المغرب على فنزويلا في النفط. شركاؤه الرئيسيون هم السعودية والعراق ونيجيريا وروسيا. هذه الشبكة توفر مرونة نسبية.

التحول نحو الغاز والطاقات المتجددة: المشاريع الضخمة للطاقة الشمسية والريحية، وتوسيع محطات إعادة التغويز، تقلل بالتدريج من الاعتماد على النفط في توليد الكهرباء.

احتياطي من النقد الأجنبي: لدى بنك المغرب احتياطيات معقولة يمكنها امتصاص صدمات خارجية محدودة المدة.

حرب على فنزويلا ليست مجرد خبر عابر في النشرات الدولية. إنها صفعة لعولمة الطاقة ستشعر باهتزازاتها كل أسرة مغربية عند محطة الوقود وفي سوق المواد الأساسية.

الدرس المستخلص هو أن الأمن الطاقوي للمغرب، رغم الإنجازات في مجال المتجددة، لا يزال هشاً أمام عواصف الجغرافيا السياسية.

وهذا يعزز الحاجة إلى تسريع وتيرة الانتقال الطاقوي، وتعزيز كفاءة الطاقة في كل القطاعات، والبحث عن مزيد من اتفاقيات الإمداد الآمنة والمرنة.

في النهاية، قدرة الاقتصاد على الصمود لن تُقاس فقط بموازنات الدعم، بل بقدرته على خفض “الجرعة الإدمانية” للنفط المستورد بأسرع ما يمكن. الاستقلال الطاقوي لم يعد رفاهية، بل هو حجر الزاوية للأمن القومي في عالم مضطرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى