سياسة

بين الامتناع عن التصويت والعزوف الانتخابي

نوح الهنداز

 

في أعقاب كل استحقاق انتخابي ينصرف جزء كبير من النقاش العمومي إلى تحليل النتائج (عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، ترتيب القوى السياسية والخريطة الجديدة التي أفرزتها صناديق الاقتراع)، كلها أسئلة مشروعة لفهم موازين القوى التي أفرزها الاقتراع. غير أن الاقتصار على هذه القراءة قد يحجب مؤشرا آخر لا يقل أهمية يتعلق بحجم المشاركة الانتخابية وحجم الامتناع عن التصويت.

تكشف المعطيات المعلنة عن الانتخابات التشريعية لسنة 2026 أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت 38.02%، مقابل 50.18% خلال انتخابات 2021، أي بتراجع قدره 12.16 نقطة مئوية. يعني ذلك من الناحية الوصفية ارتفاع نسبة المسجلين الذين لم يدلوا بأصواتهم، وهو معطى يستحق أن يحظى بالنقاش نفسه الذي تحظى به النتائج الحزبية.

هنا تبرز ضرورة التمييز بين مفهومين كثيرا ما يستخدمان باعتبارهما مترادفين: الامتناع عن التصويت والعزوف الانتخابي.
فالامتناع عن التصويت هو في أبسط تعريفاته سلوك قابل للرصد والقياس: ناخب مسجل في اللوائح الانتخابية لا يشارك في عملية الاقتراع. أما العزوف الانتخابي فهو مفهوم تحليلي أوسع يستخدم لوصف ضعف أو تراجع الانخراط في المشاركة الانتخابية، ولا يمكن اختزال أسبابه في عامل واحد.

بعبارة أخرى، فإن ارتفاع نسبة الممتنعين عن التصويت يمثل حقيقة إحصائية، بينما تفسير هذا الارتفاع باعتباره تعبيرا عن عزوف انتخابي أو عن تغير في علاقة المواطنين بالسياسة يحتاج إلى بحث ومعطيات إضافية.
هذا التمييز مهم حتى لا نقع في استنتاج متسرع مفاده أن كل من لم يصوت فقد الثقة في الانتخابات أو في الأحزاب أو في المؤسسات. فقد يكون الامتناع عن التصويت مرتبطا بعوامل سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو تنظيمية أو بظروف فردية مختلفة. ومن ثم، فإن الرقم الانتخابي يبين لنا حجم عدم المشاركة، لكنه لا يخبرنا وحده بأسبابها.

من هذه الزاوية، يصبح التراجع المسجل في المشاركة بين 2021 و2026 سؤالا بحثيا أكثر منه حكما جاهزا، فالمسألة ليست فقط أن نسبة المشاركة انخفضت وإنما أن هذا الانخفاض يطرح الحاجة إلى فهم أعمق للسلوك الانتخابي: من امتنع عن التصويت؟ وما خصائص هذه الفئات؟ وهل توجد فروق عمرية أو مجالية أو اجتماعية واضحة؟ وما الأسباب التي دفعت هؤلاء الناخبين إلى عدم المشاركة؟

كما ينبغي التعامل بحذر مع المقارنة بين انتخابات 2021 وانتخابات 2026، بالنظر إلى اختلاف السياق الانتخابي بين الاستحقاقين. وعليه، فإن الرقم 38.02% لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير بحد ذاته، بل إلى نقطة انطلاق لطرح أسئلة أعمق حول المشاركة السياسية في المغرب. فالنقاش الذي أعقب الانتخابات انشغل بدرجة كبيرة بالسؤال: من فاز؟ وكم مقعدا حصل عليه كل حزب؟
لكن هناك سؤالا موازيا لا يقل أهمية: كم عدد الذين لم يشاركوا في إنتاج هذه النتائج؟

فالنتائج الانتخابية تخبرنا بكيفية توزع الأصوات التي تم الإدلاء بها، بينما تكشف نسبة المشاركة عن حجم المواطنين الذين دخلوا فعليا في عملية الاختيار الانتخابي. وبين المؤشرين توجد مساحة واسعة للتحليل السوسيولوجي والسياسي. ومن هنا، فإن انتخابات 2026 يمكن قراءتها من مستويين متكاملين: الأول يتعلق بنتائج التصويت وتوزيع المقاعد، والثاني يتعلق بمستوى المشاركة والامتناع عن التصويت. أما الانتقال من هذا المعطى إلى الحديث عن العزوف الانتخابي فيتطلب دراسة دوافع الممتنعين وأنماط سلوكهم، بدل افتراض سبب واحد لعدم مشاركتهم.

ولعل السؤال الأكثر أهمية في مرحلة ما بعد الانتخابات ليس فقط: من حصل على المقاعد؟
بل أيضا: لماذا لم يشارك جزء كبير من المسجلين في عملية الاقتراع؟

إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أكثر تعقيدا من مجرد قراءة النتائج، لكنها في الوقت نفسه ضرورية لفهم تطور المشاركة السياسية والعلاقة بين المواطن والانتخابات في المغرب.

لا ينبغي أن تقتصر قراءة الانتخابات على النتائج والمقاعد التي أفرزتها صناديق الاقتراع، بل يجب أن تشمل أيضا مستوى المشاركة وما يكشفه من تحولات في السلوك الانتخابي. فالأرقام لا ترسم خريطة القوى السياسية التي شكلتها أصوات المشاركين فحسب، بل تتيح أيضا تحليل أوضاع من لم يشاركوا في الاقتراع. في نفس السياق، يمثل التراجع المسجل في نسبة المشاركة بين عامي 2021 و2026 معطى انتخابيا وسوسيولوجيا يستحق الدراسة. غير أن المعطيات المتاحة تثبت التراجع الكمي في المشاركة، ولا تثبت وحدها أن سببه العزوف السياسي أو فقدان الثقة أو الرفض الواعي للعملية الانتخابية. وتظل هذه التفسيرات فرضيات محتملة تحتاج إلى معطيات أكثر تفصيلا عن دوافع الامتناع وأنماطه وتوزيعه بين الفئات الاجتماعية والمجالات الجغرافية.

لذلك، لا تكمن أهمية النقاش في استبدال سؤال من فاز؟ بسؤال لماذا لم يصوت الناس؟ بل في الجمع بين السؤالين. فالنتائج الانتخابية توضح كيفية توزع الاختيارات بين المشاركين، بينما تكشف نسب المشاركة حدود القاعدة الاجتماعية التي أنتجت تلك الاختيارات. فمن خلال الجمع بين المستويين، تتشكل صورة أكثر تعقيدا للمشهد الانتخابي والسياسي من دون أن تتيح الأرقام وحدها الحسم في أسباب المشاركة أو الامتناع.
تطرح انتخابات 2026 أمام الباحثين والفاعلين في المجال العام سؤالا يتجاوز النتائج الظرفية: كيف تتغير علاقة المواطن المغربي بالمشاركة الانتخابية عبر الزمن، وما العوامل التي تفسر انتقال بعض المواطنين من المشاركة إلى الامتناع؟ ولا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالاعتماد على النتائج الانتخابية وحدها بل تتطلب دراسته بحوثا ميدانية ومقاربات سوسيولوجية وسياسية تراعي اختلاف الفئات العمرية والمجالات الجغرافية والسياقات الاجتماعية والانتخابية، تجمع بين الاستبيانات والمقابلات وتحليل المعطيات المحلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى