للمرة الأولى، تجاوزت الأصول الاحتياطية الرسمية للمغرب حاجز 500 مليار درهم، مع استمرار تدفق العملة الصعبة مدفوعاً بأداء قوي في الاستثمار الأجنبي والصادرات والسياحة وتحويلات المغتربين.
أرقام قياسية وتغطية مريحة للواردات
بلغت الاحتياطيات نحو 502 مليار درهم، أي ما يعادل 54 مليار دولار، حتى 4 سبتمبر. وسجّلت ارتفاعاً بنسبة 21.1% على أساس سنوي، و13.4% منذ مطلع العام، فيما زادت 0.4% خلال أسبوع واحد، وفق بيانات بنك المغرب المركزي الصادرة الجمعة. ويُعد هذا المستوى الأعلى على الإطلاق في تاريخ الاحتياطيات المغربية.
وتتيح هذه الاحتياطيات للبلاد تغطية واردات السلع والخدمات الأساسية لأكثر من خمسة أشهر، ما يعكس تحسناً في قدرة المغرب على مواجهة احتياجاته الخارجية من النقد الأجنبي.
الاستثمار الأجنبي في مقدمة المحركات
من أبرز العوامل الداعمة للاحتياطيات هذا العام، القفزة الكبيرة في صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ بلغ 29.4 مليار درهم بين يناير ونهاية يوليو، بزيادة 58.5% على أساس سنوي، مسجلاً رقماً قياسياً لهذه الفترة، ويتجه نحو تحقيق أعلى مستوى سنوي على الإطلاق.
وقد ساعد ميثاق الاستثمار الجديد، الذي أُقر في مارس 2023 ويقدّم تحفيزات أوسع ويبسّط المساطر، في جذب 381 مشروعاً حتى يوليو الماضي، بقيمة إجمالية تقارب 581 مليار درهم، وفق معطيات الحكومة.
الصادرات والسياحة وتحويلات المغتربين
تدعم الصادرات الصناعية أيضاً تدفقات العملة الصعبة، خاصة في قطاعي السيارات والطيران. فقد سجّلت صادرات السيارات 107.1 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، بزيادة 14.9% على أساس سنوي، في رقم قياسي جديد لهذه الفترة. كما ارتفعت صادرات الطيران 19.7% إلى 20.5 مليار درهم.
وأصبح هذان القطاعان من أهم مصادر النقد الأجنبي، فضلاً عن دورهما في توفير مئات الآلاف من فرص العمل.
وتستفيد الاحتياطيات كذلك من انتعاش السياحة وتحويلات المغتربين. فقد بلغت إيرادات السياحة 79 مليار درهم حتى نهاية يوليو، بنمو 13.4% على أساس سنوي، بعدما استقطب المغرب 20 مليون سائح العام الماضي، ليصبح الوجهة الأكثر زيارة في أفريقيا.
أما تحويلات المغتربين فوصلت إلى 74.7 مليار درهم، بزيادة 8.1%. ويمتلك المغرب جالية يبلغ عددها نحو 6 ملايين، يتركز معظمها في دول الاتحاد الأوروبي. وفي العام الماضي، شكّلت هذه التحويلات 7.2% من الناتج المحلي الإجمالي حسب صندوق النقد الدولي، وجاء نحو ثلثيها من أوروبا، بينما مثّلت تحويلات دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 20%.
التمويلات الخارجية وعوامل مساندة
لا يقتصر ارتفاع الاحتياطيات على التدفقات الناتجة عن النشاط الاقتصادي والتجارة الخارجية، بل ساهمت التمويلات الخارجية أيضاً في تعزيز رصيد النقد الأجنبي.
وأشار صندوق النقد الدولي، في تقرير مشاورات المادة الرابعة الصادر في مارس 2026، إلى عاملين آخرين داعمين للاحتياطيات خلال العام الجاري، هما انخفاض قيمة الدولار أمام اليورو وارتفاع أسعار الذهب. كما استفاد المغرب من إصدار سندات دولية بقيمة 2.25 مليار يورو في مايو الماضي، مع السماح لقانون الميزانية الحالي بالاقتراض الخارجي في حدود 6 مليارات دولار.
مسار تصاعدي وتوقعات إيجابية
تعكس الزيادة الحالية اتجاهاً صاعداً للاحتياطيات الرسمية، التي ارتفعت من 253.4 مليار درهم في 2019 إلى 442.9 مليار درهم بنهاية العام الماضي، أي بنمو 74.8% خلال ست سنوات، وفق بيانات بنك المغرب.
وكانت وكالة «إس أند بي» قد أشارت في تقرير صدر مارس الماضي إلى أن الأداء القوي للصادرات، ولا سيما السياحة، إلى جانب ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر، دعم تراكم احتياطيات النقد الأجنبي في المملكة.
ويتوقع البنك المركزي استمرار هذا المسار، إذ قدّر في يونيو الماضي ارتفاع الأصول الاحتياطية الرسمية إلى 505 مليارات درهم بنهاية العام الجاري، ثم إلى 542 مليار درهم بحلول 2027. كما توقّع أن تغطي الاحتياطيات 5 أشهر و26 يوماً من الواردات هذا العام، على أن ترتفع التغطية إلى 6 أشهر و9 أيام العام المقبل.
وتكشف الأرقام أن الاحتياطيات أصبحت تستند إلى قاعدة أكثر تنوعاً من تدفقات العملة الصعبة، مع بروز الاستثمار الأجنبي المباشر هذا العام كأحد أهم محركات النمو، إلى جانب قوة صادرات السيارات والطيران، واستمرار إيرادات السياحة وتحويلات المغتربين.