ثقافة

من القطب الشمالي إلى أوروبا الوسطى: أولو وترينشين تتويجان للثقافة الأوروبية في 2026

فراح سعيد

يُعد برنامج “العواصم الثقافية الأوروبية”، الذي يشرف عليه الاتحاد الأوروبي سنويًا، منصةً بارزة للاحتفاء بالإرث الحضاري والتاريخي للمدن، وتعزيز مشهدها الفني والحياتي. وفي عام 2026، وقع الاختيار على مدينتين متميزتين: أولو الفنلندية في أقصى الشمال، وترينشين السلوفاكية في قلب أوروبا، مما أسهم في تنشيط الحركة السياحية والفعاليات، وجعلهما محركين أساسيين للتنمية المستدامة والتنوع الثقافي.

أولو… حيث يلتقي التراث الصناعي بالتغيير المناخي
تأسست أولو عام 1605، وهي أقدم وأكبر مدن شمال فنلندا، وتحولت على مر القرون من ميناء صناعي رئيسي إلى مدينة نابضة بالحياة. تتبنى المدينة شعار “التغيّر المناخي الثقافي” كموضوع رئيسي، مستثمرةً قربها الفريد من الطبيعة لتعزيز الاستدامة الاجتماعية والبيئية والاقتصادية. ويمتد برنامجها الثقافي، البالغة تكلفته 50 مليون يورو، على 39 موقعاً في أربع مقاطعات، مستهدفاً اجتذاب 2.5 مليون زائر، أي بزيادة 20% عن المعدل السنوي.

تعود جذور أولو الاقتصادية إلى صناعة القطران في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى جانب الأخشاب والكيماويات والأدوية والصلب. وبعد حريق هائل دمّر مركزها الخشبي عام 1822، أعاد المهندس المعماري كارل لودفيج إنجل تخطيط المدينة، الذي لا يزال معتمداً حتى اليوم، تاركاً بصمة كلاسيكية جديدة في أبنيتها.

وتزخر المدينة بمهرجانات استثنائية، أبرزها “فروزن بيبول” للموسيقى الإلكترونية على خليج بوثنيا المتجمد، ومهرجان “لومو” للفنون والتكنولوجيا، إضافة إلى “مختبر الطعام القطبي” الذي يبرز المأكولات المحلية، وأوبرا “أوفلا” السامية التي تحكي قصة سكان سابمي الأصليين. وقد بدأت أولو رحلتها الثقافية عام 2017، مستفيدةً من خبراء “يوروسيتيز” لتعزيز حضورها الأوروبي.

ترينشين… إيقاظ الفضول بين القلاع والينابيع
تقع ترينشين غرب سلوفاكيا على ضفاف نهر فاه، ويقطنها نحو 55 ألف نسمة. كانت مركزاً سياسياً واقتصادياً بارزاً في العصور الوسطى، وتجمع اليوم بين قلاعها المهيبة، ومنتجعاتها الصحية التاريخية، وإطلالتها على جبال سترازوف والكاربات البيضاء.

تحت شعار “إيقاظ الفضول”، تنظم ترينشين مئات الفعاليات، من مهرجانات كبرى إلى مبادرات محلية، مثل مهرجان فنون الإضاءة، ومشروع “أماكن الانتظار” الذي يحوّل المرافق العامة كالمستشفيات ومكاتب البريد إلى فضاءات فنية. وتستثمر المدينة في بنيتها التحتية عبر تجديد مكتبتها، وإنشاء “معهد ترينشين الإبداعي” لإعادة تعريف أساليب التنظيم الثقافي.

وتُعد قلعة ترينشين التي تعود للقرون الوسطى، والمطلّة على التلة، أيقونة المدينة وتجذب 150 ألف زائر سنوياً. ورغم تحديات الحروب والأوبئة عبر تاريخها، تشهد اليوم مشاريع ترميم طموحة، كتحويل جسر سكة حديد قديم إلى ممر للمشاة فوق النهر. كما يستضيفها مهرجان “بوهودا”، الأكثر زيارة في سلوفاكيا، والذي يدمج الموسيقى البديلة والكلاسيكية والإلكترونية، وقد نال جائزة أفضل مهرجان متوسط الحجم في أوروبا لعام 2025. ويسعى القائمون على البرنامج لجعل هذه المدينة الواقعة قرب الحدود التشيكية “واحةً للحرية”، تعيد إحياء تراثها مع انفتاحها على المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى