سجل قطاع النقل الجوي المغربي علامة فارقة في عام 2025، محققاً نمواً قوياً يعكس تحولاً استراتيجياً في الموقع الجوي للمملكة، وليس مجرد تعافٍ من تبعات الجائحة. بلغ إجمالي عدد المسافرين عبر مطارات المملكة 36.3 مليون مسافر، بارتفاع قدره 11% عن عام 2024. هذا الرقم القياسي يستحق التمحيص لاستخلاص أبعاده الاقتصادية والاستراتيجية.
تحليل الأداء الكلي والنمو
الرقم الرئيسي (36.3 مليون) يؤكد تسارع وتيرة نمو القطاع. نسبة الـ 11% لا تعكس فقط انتعاشاً سياحياً، بل تشير إلى نجاح سياسات متعمدة لتعزيز الربط الجوي وترسيخ المغرب كمركز إقليمي (Hub). هذا النمو يتجاوز بكثير معدلات النمو السكاني أو الاقتصادي العالمي، مما يشير إلى أن المغرب يكتسب حصة سوقية متزايدة من حركة المسافرين الدولية.
العوامل المُحركة للنمو: بين الاستراتيجية والأحداث الكبرى
يمكن تفسير هذا الأداء من خلال عاملين رئيسيين:
1. الاستراتيجية المؤسسية: يُظهر البلاغ أن استراتيجية “مطارات 2030” بدأت تؤتي ثمارها بشكل ملموس. تركيزها على “الاستباق الفعال للطلب” و”تعزيز الربط الجوي” تحول من شعارات إلى واقع، بدعم من التطوير المستمر للبنى التحتية وتحسين تجربة المسافر.
2. حدث كاسح العائدات: كان لاستضافة كأس إفريقيا للأمم 2025 أثراً محفزاً مباشراً وقوياً، حيث جذب تدفقاً استثنائياً للمشجعين والإعلام من كافة أنحاء القارة والعالم. هذا يبرز الدور الاقتصادي والترويحي الكبير للأحداث الرياضية الكبرى، ويطرح تساؤلاً حول كيفية تحويل هذه الزيادة المؤقتة إلى قاعدة دائمة من السياح والعملاء.
تحليل أداء المطارات: مركزية قوية ونمو متباين
تكشف البيانات عن هيكلية مركزية مع بوادر إعادة توزيع:
· هيمنة المحاور الرئيسية: خمسة مطارات تستحوذ على 90% من الحركة، مما يؤكد نمط التركيز الجغرافي التقليدي.
· الدار البيضاء (32%): تجاوز 11 مليون مسافر، معززاً مكانته كبوابة رئيسية ومحور (Hub) وطني وقاري، خاصة مع دور مخطط تطوير الخطوط الملكية المغربية.
· مراكش (28%): عبور عتبة الـ 10 ملايين لأول مرة هو تأكيد نهائي على تحولها إلى منصة سياحية عالمية من الطراز الأول.
· الرباط-سلا: النمو الاستثنائي بنسبة 26% (ليتجاوز مليوني مسافر) هو المؤشر الأبرز، ويعكس نجاح سياسة جذب الخطوط الجديدة وترسيخ مكانة العاصمة الإدارية والسياسية، بالإضافة إلى جاذبيتها الاقتصادية.
· صحوة المطارات الجهوية: النمو المهم في مطارات مثل الصويرة وبني ملال والرشيدية والعيون ليس مجرد أرقام، بل هو إشارة إلى:
· بداية إعادة توزيع تدريجية للحركة الجوية.
· فعالية الاستثمارات في هذه المطارات.
· نمو السياحة الداخلية والجهوية.
· نجاح سياسة إحداث خطوط جوية جديدة لربط المدن المتوسطة.
الدلالات الاستراتيجية والتحديات المقبلة
1. تعزيز المركز الإقليمي: هذا النمو يدعم رؤية المغرب كمحور جوي إقليمي، ويخلق زخماً لمفاوضات “الحرية الجوية” مع شركاء جدد.
2. الضغط على البنية التحتية: النمو المتسارع، خاصة في مطاري الدار البيضاء ومراكش، يضع استمراريته رهناً بمواكبة البنى التحتية والتجهيزات (مدارج، صالات، مواقف، أنظمة فحص) لتجنب الاختناقات المستقبلية.
3. الاستدامة والموازنة: التحدي الأكبر يكمن في موازنة النمو المركزي السريع مع سياسة الإدماج الترابي، وضمان أن تكون المطارات الجهوية محركات حقيقية للتنمية الاقتصادية المحلية وليس فقط بوابات ثانوية.
4. تعددية الشركاء: إبراز التنسيق مع وزارات ومؤسسات متنوعة (الداخلية، الأمن، الجمارك، النقل) يؤكد أن نجاح القطاع الجوي هو نتيجة سياسة متكاملة وليس جهود مؤسسة واحدة.
خلاصة تحليلية: عام 2025 لم يكن سنة عادية لقطاع الطيران المغربي، بل كان سنة اختبار حقيقي لاستراتيجية طموحة أثبتت جدواها. النجاح الحالي يضع المسؤولية على عاتق المكتب الوطني للمطارات وشركائه للحفاظ على هذه الدينامية، والتحول من مرحلة “جذب النمو” إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في “إدارة النمو الكبير ومردوديته الاقتصادية والاجتماعية على جميع جهات المملكة”، مع الاستعداد لاستقبال أرقام أعلى في ظل استمرار استراتيجية “مطارات 2030”.