يهدف مشروع القانون رقم 54.23 إلى تعديل وتتميم القانون رقم 65.00 المتعلق بالتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، مع إدخال أحكام جديدة ترمي إلى توسيع نطاق التغطية وتوحيد آليات التدبير. ومن منظور اقتصادي، يطرح هذا المشروع رهانات متعددة تتصل بالطلب على الخدمات الصحية، وكلفة التمويل، وكفاءة التدبير، والاستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل.
إن توسيع قاعدة المستفيدين، ولا سيما من خلال إدماج الطلبة إلى غاية سن ثلاثين سنة، يمثل تحولاً مهماً في بنية الطلب على الخدمات الصحية. فهذا التوجه يؤدي من جهة إلى ارتفاع الطلب الكلي، وما يرافقه من ضغط إضافي على موارد أنظمة التأمين، لكنه من جهة أخرى يشكل استثماراً في رأس المال البشري عبر تحسين صحة فئة شابة تمثل قاعدة الإنتاج المستقبلية. وعلى المدى البعيد، يمكن أن ينعكس هذا التوجه إيجاباً من خلال تقليص التكاليف المرتبطة بالأمراض المزمنة نتيجة الوقاية والتدخل المبكر. كما أن شمول الطلبة الأجانب بالتغطية الصحية يكتسي بعداً اقتصادياً إضافياً، إذ يعزز جاذبية منظومة التعليم العالي المغربية ويقوي موقعها في سوق التعليم الدولي، رغم ما يطرحه ذلك من تحديات تمويلية تستدعي تحديد مصادر تمويل واضحة ومستدامة.
أما على مستوى التدبير، فإن نقل الصلاحيات إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتوحيد آليات الإدارة قد يفضي إلى تحقيق وفورات مهمة في التكاليف الإدارية، من خلال تقليص الازدواجية وتحسين التنسيق، إضافة إلى تعزيز القدرة التفاوضية مع مقدمي الخدمات الصحية. غير أن هذا التمركز المؤسسي يحمل في طياته مخاطر مرتبطة بغياب المنافسة، ما قد يؤدي إلى تراجع الحوافز نحو الابتكار وتحسين الجودة، فضلاً عن بروز وضعية المشتري الوحيد التي قد تؤثر على أسعار الخدمات وجودتها.
وفيما يخص التمويل، يعتمد المشروع على آليات تحفيزية من خلال نظام غرامات تدريجية تهدف إلى تعزيز الامتثال وتقليص مخاطر التخلف عن السداد، وهو ما يعزز الاستقرار المالي للنظام. غير أن هذه الآليات قد تشكل عبئاً نسبياً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصاً في فترات التباطؤ الاقتصادي. كما أن إدماج تمويل الخدمات الوقائية يمثل خياراً اقتصادياً ذا مردودية عالية على المدى المتوسط والطويل، بالنظر إلى دوره في تقليص تكاليف العلاج، لكنه يظل رهيناً بوجود آليات دقيقة لتتبع النجاعة وضمان حسن توجيه الموارد.
ويؤثر المشروع أيضاً في سلوك الفاعلين الاقتصاديين، سواء المشغلين أو مقدمي الخدمات الصحية. فالعقوبات المالية تشجع على الالتزام، لكنها قد تفتح المجال لظواهر مثل الاختيار العكسي، في حين أن توحيد المعايير من خلال دفاتر التحملات قد يرفع جودة الخدمات ويحد من التكاليف، مع احتمال الحد من المرونة والابتكار في حال الإفراط في التنظيم.
وعلى الصعيد الكلي، يفرض تحمل الدولة لاشتراكات الطلبة التزاماً مالياً طويل الأمد، ما يستدعي تقييماً دقيقاً للعلاقة بين التكلفة والعائد الاجتماعي والاقتصادي. كما أن فصل الموازنات بين القطاعين العام والخاص يسمح بتحليل أدق للكفاءة، لكنه قد يؤدي إلى تفاوتات في مستوى الخدمات إذا لم تُصمم آليات التضامن بشكل متوازن.
إن التحديات الرئيسية التي يطرحها المشروع تتجسد في ضمان تمويل مستدام يوفق بين توسيع التغطية والحفاظ على الجودة، وفي كفاءة تخصيص الموارد خلال مرحلة الانتقال المؤسسي، إضافة إلى ضرورة تعزيز الحوكمة والشفافية دون إثقال كاهل النظام بتكاليف إدارية مفرطة.
وفي هذا الإطار، يبرز اعتماد نظام معلوماتي متكامل كخيار أساسي على المدى القريب لتحسين تتبع المؤشرات المالية والتشغيلية، إلى جانب تصميم آليات اشتراك أكثر مرونة تراعي القدرة الاقتصادية للمشتركين. وعلى المدى المتوسط، يمكن لإدخال أشكال من المنافسة الموجهة وتطوير الشراء الاستراتيجي للخدمات الصحية أن يساهما في تحسين الكفاءة وخفض التكاليف. أما على المدى الطويل، فإن الانتقال نحو نموذج تمويل يركز على الوقاية والقيمة الصحية المقدمة، مع تقييم تجربة التوحيد المؤسسي، قد يشكل أساساً لإصلاحات أوسع في منظومة الضمان الاجتماعي.
في المحصلة، يمثل مشروع القانون رقم 54.23 خطوة محورية في مسار تعميم التغطية الصحية وتوحيد تدبيرها. ومن منظور اقتصادي، ينطوي على فرص حقيقية لتحسين الكفاءة وتحقيق وفورات الحجم، لكنه يظل محفوفاً بتحديات تتعلق بالاستدامة المالية وتصميم الحوافز. ويبقى نجاحه رهيناً بقدرة الفاعلين العموميين على حسن تنزيله، وتحقيق توازن دقيق بين توسيع التغطية، وضمان الجودة، والحفاظ على الاستقرار المالي للنظام.