مجتمع

سيكولوجية العلاقات الاجتماعية وتحديات الاندماج في المغرب المعاصر

بقلم: نوح الهنداز

يعيش المجتمع المغربي اليوم في ظل التحولات السوسيو-اقتصادية المتسارعة، مرحلة انتقالية دقيقة لا تمس فقط بنياته العمرانية أو الاقتصادية، بل تضرب في عمق الرابط الاجتماعي وطرائق تشكل العلاقات الإنسانية. إن النظرة الكلاسيكية للمجتمع المغربي كمجتمع (جماعاتي) بامتياز، حيث يذوب الفرد في القبيلة أو العائلة الممتدة، لم تعد كافية لتفسير ديناميات الاندماج اليوم. نحن أمام مشهد اجتماعي جديد يتسم بالسيولة، حيث تتفكك الروابط التقليدية الصلبة لصالح علاقات أكثر براغماتية، فردانية، وتعقيدا مما يطرح تحديات سيكولوجية عميقة على الفرد في رحلة بحثه عن الانتماء.

لقد شكلت الأسرة الممتدة والدرب (الحي التقليدي) لعقود طويلة الحاضنة السيكولوجية الأولى للمغربي، موفرة شبكة أمان اجتماعي ونظاما قيميا واضحا يحدد معايير الاندماج القائمة على التضامن الآلي واحترام التراتبية (مفهوم الحشومة والقدر). اليوم مع زحف التمدن وتذرر البنيات الأسرية نحو نموذج الأسرة النووية، نشهد نوعا من الانزياح السيكولوجي. لم يعد الاندماج معطى جاهزا بالولادة، بل أصبح مشروعا فرديا يتطلب جهدا نفسيا واجتماعيا مستمرا، مما يولد قلقا وجوديا لدى الفرد الذي أصبح مطالبا بإثبات ذاته بعيدا عن مظلة الجماعة الأولية.
تبرز سيكولوجيا المجال الحضري كعامل حاسم في إعادة تشكيل العلاقات. فالمدن الكبرى بكثافتها وتنوعها تفرض نمطا جديدا من التجاهل المهذب كآلية دفاعية نفسية للحفاظ على الخصوصية في مواجهة الاكتظاظ. هذا التحول يخلق مفارقة مغربية مثيرة، التوق الشديد للتواصل الإنساني الدافئ (الحنين إلى اللمة)، في نفس الوقت الخوف المتزايد من الأحكام الاجتماعية والرغبة في حماية الحيز الفردي المستحدث. أصبح الاندماج هنا يتطلب مهارات ذكاء اجتماعي جديدة للمناورة بين الرغبة في الانتماء والخوف من الذوبان.

لا يمكن إغفال دور العامل الاقتصادي في عقلنة العلاقات الاجتماعية بالمغرب. لقد تحولت العديد من الروابط من علاقات قائمة على العاطفة والواجب التقليدي إلى ما يمكن تسميته في علم الاجتماع برأسمال الاجتماعي يتم استثماره بشكل نفعي. هذه البراغماتية العلائقية ليست بالضرورة سلبية لكنها تخلق ضغطا سيكولوجيا على الأفراد الذين يشعرون بأن قيمتهم الاجتماعية أصبحت مرتبطة بوضعهم المهني ومهارتهم في توسيع دائرة معارفهم بدلا من قيمتهم الإنسانية المجردة، مما يغذي مشاعر الإحباط أو ما يعرف محليا بالحكرة حين تغيب تلك الوسائط.
لقد أحدثت الثورة الرقمية زلزالا حقيقيا في سيكولوجيا الإدماج بالمغرب. لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد أدوات، بل تحولت إلى فضاءات بديلة للاندماج الاجتماعي. بالنسبة للشباب المغربي أصبح الوجود الرقمي لا يقل أهمية عن الوجود الفيزيائي. هذا الفضاء الجديد يوفر إمكانيات هائلة للتعبير عن الذات والتحرر من رقابة المجتمع التقليدي، لكنه في المقابل يخلق المقارنة المستمرة، حيث تقاس السعادة والنجاح بعدد الإعجابات، مما يؤدي إلى هشاشة نفسية واغتراب مضاعف، حيث يمكن للفرد أن يكون محاطا بآلاف المتابعين افتراضيا، لكنه يعاني من عزلة شعورية في واقعه اليومي.

نلاحظ اليوم صعود ما يمكن تسميته بالهويات الهجينة كاستجابة سيكولوجية لمتطلبات الاندماج المعاصر. المغربي اليوم لم يعد يجد تناقضا صارخا بين التمسك ببعض الطقوس التقليدية (كالأعياد والمناسبات) وتبني قيم كونية فردانية في حياته المهنية والشخصية. هذه التوفيقية النفسية هي آلية تكيف مبهرة، تسمح للفرد بالتفاوض المستمر مع محيطه، خالقا مساحات انتماء متعددة ومرنة، بدلا من الانتماء الواحدي الجامد.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه سيكولوجيا الإدماج في المغرب الراهن هو أزمة الثقة. تشير العديد من الدراسات السوسيولوجية إلى تدني مستويات الثقة بين الأفراد (خارج نطاق العائلة) وبين الأفراد والمؤسسات. هذا العجز في الثقة يجعل بناء علاقات اجتماعية أفقية متينة أمرا صعبا، ويدفع الأفراد إلى الانكفاء نحو الدوائر الضيقة والمضمونة، مما يعيق تشكل مجتمع مدني قوي قائم على روابط المواطنة الحديثة بدلا من روابط الدم والقرابة.
إن قراءة العلاقات الاجتماعية في المغرب من هذا المنظور الجديد تكشف أننا لسنا أمام انهيار للقيم بل أمام إعادة تشكل عميقة ومؤلمة أحيانا للبنية النفسية والاجتماعية للمغاربة. إن الانتقال من (نحن) الجماعة التقليدية إلى (أنا) الفرد المعاصر لا يسير في خط مستقيم، بل هو مسار متعرج مليء بالتفاوض والصراع النفسي. يتطلب مستقبل الإدماج الاجتماعي في المغرب الانتقال من الاعتماد على الروابط الساخنة (العاطفية والعائلية) التي بدأت تبرد إلى بناء روابط باردة لكنها مستدامة، قائمة على المؤسسات، سيادة القانون والاحترام المتبادل للمجال الفردي، لخلق توازن صحي بين الحاجة الأصيلة للانتماء وضرورة الاستقلال الذاتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى