مجتمع

فيروس نيباه: تهديد وبائي صامت

فاطمة أونضام

يعد فيروس نيباه من الفيروسات الناشئة ذات الأصل الحيواني، وقد أثار ظهوره المتكرر في بعض مناطق آسيا قلقًا متزايدًا لدى الأوساط العلمية والصحية نظرًا لخطورة مضاعفاته وارتفاع معدل الوفيات المرتبط به. ينتمي هذا الفيروس إلى عائلة الفيروسات المخاطية، ويتميز بقدرته على الانتقال من الحيوانات إلى الإنسان، مما يجعله مثالًا واضحًا على التهديدات الصحية المرتبطة بالتفاعل المتزايد بين الإنسان والبيئة الطبيعية.

يرتبط الانتشار الأولي لفيروس نيباه بخفافيش الفاكهة التي تُعد المستودع الطبيعي للفيروس، حيث ينتقل إلى الإنسان إما بشكل مباشر عبر ملامسة إفرازات هذه الخفافيش أو بشكل غير مباشر من خلال استهلاك أغذية ملوثة، مثل الفواكه أو العصائر التي تعرضت للعاب أو فضلات الحيوانات المصابة. كما لوحظ في بعض التفشيات السابقة انتقال الفيروس من الحيوانات الوسيطة، خاصة الخنازير، إلى الإنسان، مما ساهم في تسارع انتشار العدوى داخل مجتمعات محدودة.

ورغم أن انتقال فيروس نيباه من إنسان إلى آخر لا يُعد شائعًا مقارنة بفيروسات تنفسية أخرى، إلا أنه يبقى ممكنًا في حالات الاتصال الوثيق، خصوصًا داخل الأسر أو في المرافق الصحية عند غياب إجراءات الوقاية المناسبة. هذا النمط من الانتقال الثانوي يزيد من تعقيد السيطرة على الفيروس، خاصة في المناطق ذات الأنظمة الصحية الهشة أو الكثافة السكانية المرتفعة.

تاريخيًا، سُجلت معظم حالات الإصابة بفيروس نيباه في دول جنوب وجنوب شرق آسيا، مثل بنغلاديش والهند وماليزيا، وغالبًا ما كانت التفشيات محدودة جغرافيًا وزمنيًا. ومع ذلك، فإن تكرار هذه الحالات خلال السنوات الأخيرة أعاد طرح تساؤلات حول إمكانية توسع نطاق انتشاره في ظل العولمة، وحركة السفر، والتغيرات البيئية والمناخية التي تؤثر في سلوك الحيوانات الناقلة للأمراض.

ورغم خطورة الفيروس، تشير التقييمات الوبائية الحالية إلى أن خطر تحوله إلى جائحة عالمية لا يزال منخفضًا، وذلك بسبب محدودية انتقاله بين البشر وغياب قدرة عالية على العدوى السريعة. إلا أن غياب لقاح فعال أو علاج نوعي حتى الآن يجعل الوقاية والمراقبة الصحية المبكرة الركيزة الأساسية للحد من انتشاره. وتشمل هذه الإجراءات تعزيز أنظمة الترصد الوبائي، والتوعية بتجنب استهلاك الأغذية المعرّضة للتلوث، وتحسين إجراءات السلامة في التعامل مع الحالات المشتبه بها.

في ضوء هذه المعطيات، يُنظر إلى فيروس نيباه على أنه تهديد صحي محتمل يتطلب يقظة علمية وصحية مستمرة، وليس مصدر هلع فوري. ففهم آليات انتشاره، وتعزيز التعاون الدولي في مجال البحث والوقاية، يمثلان عنصرين حاسمين في الحد من مخاطره وحماية الصحة العامة على المدى الطويل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى