تحليل اقتصادي معمق للتداعيات العالمية لسياسات “أمريكا أولاً” بعد سنة من عودتها إلى البيت الأبيض
عندما أدى دونالد ترامب اليمين الدستورية كالرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة في 20 يناير 2025، عادت معه إلى الواجهة سياسة اقتصادية لا تخلو من التحدي. بعد مرور عام، تتكشف صورة معقدة: اقتصاد أمريكي يظهر مرونة مختلطة بعلامات استفهام كبيرة، ونظام تجاري عالمي يواجه اختباراً حاسماً لمرونته، وتداعيات متنوعة تصل إلى كل ركن من أركان المعمورة.
الهزة الأمريكية: بين الإيرادات والاستياء الشعبي
في القلب من سياسات ترامب الاقتصادية تقف الرسوم الجمركية، التي وصفها ذات مرة بأنها “أجمل كلمة في القاموس”. تحولت هذه الكلمة إلى واقع ملموس وثقيل على الاقتصاد. وفقاً لتحليل مؤسسة الضرائب، تشكل هذه الرسوم أكبر زيادة ضريبية في الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 1993، حيث ستكلف الأسرة الأمريكية في المتوسط 1000 دولار إضافية في 2025 و1300 دولار في 2026.
· التأثير الاقتصادي الكلي: تشير التقديرات إلى أن هذه الرسوم ستخفض الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي على المدى الطويل بنسبة 0.5% حتى قبل حساب أي إجراءات انتقامية من الدول الأخرى. وعند إضافة تلك الإجراءات، يرتفع الخسارة المتوقعة إلى 0.7%. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن تجمع هذه الرسوم إيرادات ضخمة تُقدر بحوالي 2.0 تريليون دولار على أساس تقليدي خلال العقد القادم، لكن هذا الرقم ينخفض إلى 1.6 تريليون دولار عند احتساب الآثار الاقتصادية السلبية.
· الارتباك المؤسسي: لم تكن التداعيات اقتصادية بحتة. فقد هز ترامب ثقة الأسواق في المؤسسات الإحصائية الأمريكية عندما أقال رئيس مكتب إحصاءات العمل في أغسطس 2025 رداً على أرقام وظائف ضعيفة. وتسبب إغلاق حكومي استمر شهراً في تعطيل إصدار البيانات الرسمية، مما دفع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول إلى وصف الوضع بأنه “قيادة في ضباب”.
الاستياء الشعبي كان السمة الأبرز، حيث انخفضت شعبية ترامب إلى حوالي 43% في نهاية عامه الأول، مع تلقيه تقييمات منخفضة بشكل خاص في التعامل مع الاقتصاد (41%) والتضخم (36%). 75% من الأمريكيين يعتقدون أن الرسوم الجمركية ترفع الأسعار، بما في ذلك 56% من الناخبين الجمهوريين أنفسهم.
النظام العالمي تحت الضغط: الصدمة والمرونة
أثارت سياسات ترامب مخاوف من تفكك النظام العالمي، كما عبر عنها رئيس الوزراء الكندي الأسبق مارك كارني. ومع ذلك، فإن الاستنتاج الأولي بعد عام هو أن النظام التجاري العالمي أظهر مرونة مذهلة في مواجهة الصدمة.
· إعادة توجيل التجارة، لا تدميرها: كررت السنة الأولى من حكم ترامب الثاني النمط الذي شوهد في ولايته الأولى. فقد أدت الرسوم الجمركية الثنائية على الصين إلى انخفاض الواردات الأمريكية منها بنسبة 24% في العام المنتهي في سبتمبر 2025. لكن هذا التحول لم يكن اختفاءً للطلب، بل إعادة توجيهه. حيث ارتفعت الواردات من دول مثل فيتنام وماليزيا في جنوب شرق آسيا، وكذلك من أوروبا، بينما حافظت الواردات من كندا والمكسيك على مستويات جيدة.
· تفاؤل نسبي: بدأت الشركات العالمية في تقليل مخاوفها من حرب تجارية شاملة. أظهر استطلاع لشركة “أكسفورد إيكونوميكس” أن مخاوف الشركات من حرب تجارية عالمية خلال العامين المقبلين عادت إلى مستويات ما قبل انتخاب ترامب 2024، أي أقل من نصف ذروتها في منتصف 2025.
تداعيات السياسات عبر مناطق العالم
· الصين: تشير تقديرات أبردين إنفستمنتس إلى أن ارتفاع متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية على الصين من 15% إلى 40% سيخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنحو 1% عن المستوى المتوقع بحلول 2026، وهو ضعف التأثير المقدر للحرب التجارية الأولى.
· المكسيك: الاقتصاد الأكثر ارتباطاً بالولايات المتحدة يشهد ضغوطاً كبيرة. تربطها علاقات تجارية عميقة مع جارتها الشمالية (تذهب 80% من صادرات المكسيك إلى الولايات المتحدة)، مما يجعلها في موقف حساس بين الحاجة إلى التعاون الاقتصادي وضغوط سياسة الهجرة الأمريكية.
· الاتحاد الأوروبي: خفضت بعض التوقعات الاقتصادية نمو منطقة اليورو بنحو 0.2%-0.3% للفترة 2025-2026 بسبب ارتفاع عدم اليقين التجاري. وقد تعاني صناعات محددة مثل السيارات الألمانية بشكل خاص.
· الاقتصادات الناشئة: هناك فائزون وخاسرون محتملون. تستفيد دول مثل فيتنام والمكسيك من إعادة توجيه سلاسل التوريد بعيداً عن الصين. بينما تواجه دول مثل البرازيل والهند، التي لديها موازين تجارية معقدة مع واشنطن، تحديات متزايدة.
استقطاب داخلي وتحديات أمام الشعارات الشعبوية
يبدو أن السنة الأولى قد ألقت بظلال من الشك على فرضية إعادة الاصطفاف السياسي الدائم لصالح ترامب. فقد تراجعت العديد من الفئات التي تحولت بقوة نحو الجمهوريين في 2024، مثل المستقلين وذوي الأصول الإسبانية والبالغين الشباب، وأصبحت تعتبر الآن ناخبين متأرجحين.
الأهم من ذلك، أن الادعاءات الشعبوية للرئيس ترامب تبدو تحت الاختبار. حيث يعتقد 65% من الأمريكيين أن سياسات إدارته تفضل الأغنياء، بينما يعتقد 12% فقط أنها موجهة نحو الطبقة المتوسطة. وتظل المشاعر المناهضة للنخب قوية، حيث يعتقد 81% من الأمريكيين أن الأغنياء في الولايات المتحدة لديهم سلطة كبيرة جداً.
نظرة إلى المستقبل: نظام عالمي جديد في طور الولادة؟
بعد عام، أصبح من الواضح أن العولمة لا تتداعى، بل تتغير طبيعتها. يشير تحليل شبكة “سي إن إن” إلى بداية تحول في تدفقات رأس المال العالمي، حيث بدأ بعض المستثمرين في الابتعاد عن السوق الأمريكية التي فقدت جاذبيتها بسبب الرسوم الجمركية، متجهين نحو فرص في آسيا وأوروبا.
القوى الجيوسياسية التقليدية، مثل الحرب في أوكرانيا والتوترات حول تايوان، تُصنف الآن من قبل الشركات على أنها تهديد أكبر للاقتصاد العالمي من الحرب التجارية ذاتها. هذا يشير إلى أن العالم قد بدأ في التكيف مع الصدمة الأولية لسياسات ترامب، مع تحول انتباهه إلى مصادر عدم استقرار أخرى.
وفي الاخير، بعد عام من حكم ترامب الثاني، يتعلم الاقتصاد العالمي الرقص تحت المطر الحمائي. فالضربة كانت قوية، والندوب واضحة على المستهلك الأمريكي وشركاء التجارة. لكن المرونة التي أظهرها نظام التجارة، والتحول السريع لسلاسل التوريد، وتنامي مراكز النمو البديلة، جميعها تشير إلى أن عولمة القرن الحادي والعشرين أكثر صلابة مما قد تبدو عليه. التحدي الحقيقي الذي تتركه هذه السنة ليس مجرد ارتفاع في الأسعار أو خلافات تجارية، بل هو تسريع تحول عميق نحو عالم متعدد الأقطاب، تكون فيه القرارات الاقتصادية أكثر تسييساً، والتحالفات أكثر مرونة، ومستقبل التعاون العالمي أكثر غموضاً مما كان عليه في أي وقت مضى.