العين الاقتصادية | التحليل الاقتصادي النقدي لقانون المالية المغربي لسنة 2026
بقلم : آيت الزي يونس

يستند هذا التحليل النقدي إلى إطار تحليل السياسة المالية الكلية، مع التركيز على مؤشرات الاستدامة المالية، الكفاءة التخصيصية للموارد، العدالة الجبائية، والفعالية الاقتصادية للتدابير المُقرَّرة. التحليل يربط بين الهيكل المعلَن والمؤشرات الضمنية التي تُستخلص من تفاعل بنود القانون مع السياق الاقتصادي المغربي الحالي.
- تحليل الهيكل المالي: استدامة مالية هشة تحت ضغط الإنفاق الجاري
1.1. هيكل الإيرادات: تركيز مفرط على الضرائب غير المباشرة
- تشكل الضرائب غير المباشرة (بما فيها الجمركية) ما يقارب 50% من إجمالي الإيرادات الضريبية (186 مليار درهم من أصل 376 مليار)، مما يشير إلى:
- طبيعة تراجعية للنظام الضريبي، حيث يتحمل العبء الأكبر الأسر ذات الدخل المحدود.
- حساسية الإيرادات للتقلبات الاستهلاكية، مما يضعف قابلية التنبؤ بالإيرادات في فترات الركود.
- ضعف الإيرادات غير الضريبية (10.7%) رغم وجود أصول عمومية كبرى، مما يدل على ضعف عائدية أملاك الدولة وعدم استغلالها الأمثل لتمويل الميزانية.
1.2. هيكل النفقات: استمرار هيمنة التسيير على الاستثمار
- نفقات التسيير تمثل 88.7% من النفقات العادية، مع ارتفاع كُتلة الأجور (حوالي 50% من نفقات التسيير).
- مؤشر على جمود الميزانية: محدودية المرونة في إعادة توجيه الإنفاق نحو الاستثمار المنتج.
- خطر استنزاف الموارد: مع تسارع وتيرة التوظيف العمومي (36,895 منصباً جديداً)، تتعاظم الالتزامات الدائمة في ميزانيات مستقبلية.
- الاستثمار العمومي لا يتجاوز 25.8% من إجمالي النفقات (136.1 مليار من 527.6 مليار)، وهي نسبة غير كافية لتحفيز النمو طويل الأجل في اقتصاد يحتاج لتحديث بنيته التحتية.
1.3. التوازنات المالية: عجز هيكلي مستتر
- العجز الإجمالي (-171.7 مليار درهم) يمثل حوالي 4.1% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع، وهو مستوى يظل مرتفعاً في سياق تضييق السياسة النقدية عالمياً.
- فائض الرصيد العادي (29.8 مليار) ناتج أساساً من ضغط الإنفاق الاستثماري، وهو إستراتيجية قصيرة النظر تُضعف رأس المال العام المستقبلي.
- التمويل بالاقتراض (45.2 مليار) يضيف إلى الدين العمومي الذي تجاوز 80% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يزيد من هشاشة الاقتصاد أمام صدمات أسعار الفائدة.
- السياسات الجبائية: إصلاحات إجرائية دون مراجعة هيكلية
2.1. غياب الإصلاح الضريبي الشامل
- الاستمرار في التعديلات الجزئية (مثل تعديل تصنيف 75 مادة دوائية) بدلاً من مراجعة النظام الضريبي لتعزيز العدالة والكفاءة.
- الإعفاءات التفضيلية الممنوحة لقطاعات دون أخرى (الشركات الرياضية، مؤسسات التمويل الصغير) تخلق تشوهات في المنافسة وتقلل من الحصيلة الضريبية دون تقييم فعّالية لهذه الإعفاءات.
2.2. محدودية أثر الإصلاحات الرقمية
- التحول الرقمي في الجباية (الإقرارات الإلكترونية، المنصات الرقمية) يهدف لتحسين الكفاءة، لكنه لا يعالج مشاكل التهرب الضريبي الهيكلي، خاصة في القطاع غير المهيكل الذي يشكل جزءاً كبيراً من الاقتصاد.
- غياب إستراتيجية ضريبية تواكب الاقتصاد الرقمي، خاصة فيما يتعلق بالضرائب على الخدمات الرقمية عبر الحدود.
2.3. رسوم الواردات: حماية انتقائية قد تثير انتقاماً تجارياً
- فرض رسم 12% على الأخشاب المستوردة (مع إعفاءات انتقائية) يعكس نزعة حمائية محدودة، لكنها قد:
- ترفع تكاليف الإنتاج في الصناعات المغربية المعتمدة على هذه المدخلات.
- تثير نزاعات تجارية مع الشركاء التجاريين في إطار اتفاقيات التبادل الحر.
- التوجهات الاستثمارية: توزيع غير متوازن يعكس أولويات سياسية أكثر من اقتصادية
3.1. تركيز على البنية التحتية المادية على حساب الرأسمال البشري
- الحصة الأكبر للتجهيز والماء تُهمّش نسبياً قطاعات التعليم والصحة رغم إحداث مناصب جديدة فيها.
- غياب مؤشرات أداء واضحة لقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي للمشاريع الاستثمارية المقررة.
3.2. إشكالية الحسابات الخصوصية والصناديق الخاصة
- حجم الموارد الخصوصية (166.2 مليار درهم) يمثل 31.5% من إجمالي النفقات، وهي نسبة مُقلقة لأنها:
- تُضعف الشفافية وتُعقِّد المساءلة البرلمانية.
- تفتح الباب للإنفاق خارج الضوابط المالية العامة.
- صندوق التنمية الترابية المندمجة (15 مليار درهم) يكرس النموذج المركزي في توزيع الموارد رغم خطاب اللامركزية.
- السياسة الاجتماعية: تدابير مسكنة دون معالجة جذرية للفوارق
4.1. دعم السكن الاجتماعي: شروط مجحفة
- اشتراط التخصيص الفعلي للسكن لمدة 5 سنوات يقيد حركة الأسر ويحد من مرونة سوق العمل.
- عدم معالجة العرض العقاري في المناطق الحضرية الكبرى حيث المشكلة هيكلية.
4.2. الحماية الاجتماعية: توسيع التغطية بموارد غير مضمونة
- زيادة اعتمادات الصندوق الوطني للتأمين الصحي دون إصلاح نظام التمويل يهدد استدامة النظام على المدى المتوسط.
- دعم المواد الغذائية (600 مليون درهم) يظل إجراءاً آنياً غير مندمج في سياسة دخل تحولية.
- إدارة الدين العمومي: مخاطر تراكم الديون مع ضعف العائد الاستثماري
5.1. تفويضات واسعة للحكومة في إدارة الدين
- المادة 40 تمنح الحكومة صلاحيات واسعة لإصدار اقتراضات واسترجاع أدوات الخزينة دون ضوابط برلمانية كافية، مما يزيد من مخاطر المديونية الخفية.
- ارتفاع خدمة الدين (108.2 مليار درهم) تمثل 20.5% من إجمالي النفقات، وهو مستوى يستنزف الموارد التي كان يمكن توجيهها للاستثمار أو الخدمات الاجتماعية.
5.2. التناقض بين خطاب الانضباط المالي وممارسة الاقتراض
- اللجوء لاقتراض جديد (45.2 مليار درهم) لتمويل جزء من العجز يناقض هدف تخفيف الدين المعلن في وثائق التخطيط المالي المتوسطة الأجل.
- التقييم النهائي: ميزانية تكرّس الوضع القائم دون جرأة إصلاحية
6.1. نقاط القوة المحدودة
- تبسيط المساطر الجبائية عبر الرقمنة قد يحسن مناخ الأعمال نسبياً.
- تخصيص موارد للتجهيز الأساسي يحافظ على الحد الأدنى من الاستثمار العام.
6.2. الثغرات الهيكلية الرئيسية
- غياب الرؤية الضريبية الإصلاحية: استمرار الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التراكمية.
- الجمود في هيكل الإنفاق: هيمنة النفقات الجارية على حساب الاستثمار المنتج.
- ضعف الشفافية المالية: توسيع نطاق الصناديق الخاصة والتفويضات الحكومية.
- محدودية الأثر الاجتماعي: إجراءات دعم غير كافية لمواجهة التفاوتات الهيكلية.
- مخاطر استدامة الدين: تراكم الديون مع عائد استثماري غير واضح.
6.3. توصيات تحليلية
- إصلاح ضريبي هيكلي: تقليص الاعتماد على الضرائب غير المباشرة، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر إدماج الاقتصاد غير المهيكل.
- إعادة هيكلة الإنفاق: خفض النفقات الجارية غير الضرورية، ورفع حصة الاستثمار العام إلى 30% على الأقل.
- تعزيز الشفافية: تقليص الصناديق الخاصة، وإخضاع جميع العمليات المالية للرقابة البرلمانية.
- ربط السياسة الضريبية بالأهداف الاجتماعية: استخدام النظام الضريبي كأداة لإعادة التوزيع عبر شرائح تصاعدية حقيقية.
- إطار متعدد السنوات للدين: وضع سقوف ملزمة للدين مع مؤشرات أداء للاستثمارات الممولة بالقروض.
الخلاصة
قانون المالية لسنة 2026 يمثل استمرارية للنهج التقليدي في السياسة المالية المغربية، يركز على الإدارة قصيرة الأجل للتوازنات المالية دون معالجة التحديات الهيكلية المتمثلة في:
- ضعف العدالة الضريبية
- هشاشة استدامة المالية العامة
- عدم كفاءة تخصيص الموارد
- التباين بين الخطاب الإصلاحي والممارسة المالية
الاقتصاد المغربي يحتاج إلى قانون مالية جريء يتحول من وثيقة محاسبية إلى أداة تحويلية تحفز النمو الشامل وتضمن الاستدامة المالية وتحسين العدالة الاجتماعية.



