مجتمع

طاطا على صفيح ساخن: صرخة ‘دوبلال’ في وجه الشطط الإداري

حمزة شافعي

تعيش منطقة طاطا، وتحديداً واحات قيادة “أديس”، حالة من الاحتقان غير المسبوق، عقب حملة وصفت بـ”الشرسة” قادتها السلطات المحلية لمنع مزارعي البطيخ الأحمر. هذه الحملة، التي لم تكتفِ بمنع الزراعة بل تعدتها إلى تدمير المحاصيل وتخريب التجهيزات، وضعت السلطة الإقليمية في مواجهة مباشرة مع قبيلة “دوبلال” العريقة، وسط اتهامات بخرق القانون والكيل بمكيالين.

جذور النزاع: قرار عاملي يثير الجدل

تستند السلطات في تحركاتها إلى القرار العاملي رقم 63 الصادر في فاتح ديسمبر 2022، والذي يهدف إلى ترشيد استعمال الماء في ظل الجفاف البنيوي الذي يضرب الإقليم. قضى القرار بمنع زراعات “مستنزفة للفرشة المائية” مثل البطيخ الأحمر والأفوكادو. إلا أن جوهر الأزمة ليس في “الحفاظ على الماء” كقيمة وطنية، بل في “طريقة التنفيذ”؛ حيث تؤكد الوثائق والبيانات الصادرة عن قبيلة “دوبلال” (بيان كلميم بتاريخ 6 يناير 2026) أن السلطة مارست “الترهيب” باستخدام القوات العمومية داخل الضيعات دون أحكام قضائية، وهو ما اعتبره القانونيون “اعتداءً مادياً” على الملكية الخاصة.

الانتقائية”.. الفلاح الصغير كبش فداء

تتطابق الشهادات الصوتية والبيانات الاستنكارية على نقطة محورية: الانتقائية في تطبيق القانون. فبينما يتم تدمير شتلات الفلاحين الصغار المنتمين للقبيلة في مساحات ضيقة لا تتعدى الهكتار الواحد، تورد التقارير أن ضيعات كبرى لمستثمرين “نافذين” وأجانب عن الإقليم لا تزال تنعم بمياه الفرشة المائية دون حسيب، حسب قولهم. هذا الواقع ولد شعوراً بـ”الحكرة”، حيث يرى الفلاحون أنهم يدفعون ثمن أزمة مائية لم يتسببوا فيها، بينما تُرك كبار المستنزفين للماء بعيداً عن أعين المراقبة.

التداعيات الاجتماعية: إفلاس وتشريد

وانطلاقا من المصادر التي توصلت بها جريدة “الحياة اليومية” من شهادات وصور قاسية؛ في إتلاف المحاصيل وتخريب “الرشاشات” (نظم الري) لم يضر فقط بصاحب الأرض، بل طال عشرات الأسر التي تعيش من العمل الموسمي. وحسب البيان الصادر عن القبيلة بكلميم وصف الأمر بأنه “ضرب للكرامة ومس بمصادر العيش الكريم”، محذراً من تحول أبناء القبيلة من “مكون وطني أصيل” إلى ضحايا لسياسات إدارية “ارتجالية”.

جبهة “دوبلال”: من الاحتجاج المحلي إلى “الصرخة الوطنية

لم يعد النزاع محصوراً في طاطا، فقد دخلت قبيلة “دوبلال” بكلميم على الخط ببيان تضامني شديد اللهجة، أعلنت فيه:

  • التضامن اللامشروط: مع أبناء العمومة في طاطا ضد ما وصفوه بـ”الإهانة”.
  • المطالبة بالتحقيق: دعوة صريحة لوزارة الداخلية والديوان الملكي لإرسال لجان تفتيش للوقوف على “الاختلالات الإدارية والمالية” في تدبير الشأن المحلي بطاطا.
  • الوعيد بالتصعيد: التلويح بتنظيم قوافل احتجاجية وطنية في حال استمرار ما أسموه “نهج الكيل بمكيالين”.

غياب البديل الفلاحي

تكمن الفجوة الكبرى في هذا الملف في غياب “المقاربة التشاركية”. فالسلطة، حسب المعطيات، لم توفر بدائل زراعية للفلاحين قبل الإقدام على المنع والتدمير. وحسب الشهادات، يظهر أن وزارة الفلاحة غائبة تماماً عن مشهد “المواكبة”، مما جعل المواجهة تنحصر بين “رجل السلطة” و”الفلاح المقهور”، وهو ما يهدد السلم الاجتماعي في منطقة حدودية حساسة.

 

تضع هذه الأزمة إقليم طاطا أمام تحدي الموازنة بين ضرورة حماية الأمن المائي الاستراتيجي وبين تدبير الآثار الاجتماعية لقرارات المنع. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، يظل المشهد مفتوحاً على مسارين: إما فتح قنوات حوار بين السلطات المحلية والتمثيليات القبلية والفلاحية للوصول إلى تسويات واقعية، أو استمرار المسار التصعيدي الذي لوحت به القبيلة عبر اللجوء إلى القضاء والاحتجاج الوطني، مما يضع الملف أمام أنظار الإدارة المركزية بالرباط للفصل في مشروعية الإجراءات المتخذة ومدى عدالتها المجالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى