في الوقت الذي تنجب فيه الجامعات المغربية سنويا مئات الخريجين المتخصصين في علم النفس بمختلف فروعه، يجد هؤلاء أنفسهم في حالة تسلل قانوني بمجرد مغادرة أسوار الكلية، حيث يواجهون مفارقة صارخة تتمثل في اعتراف الدولة بـ العلم داخل المدرجات وإنكاره كـمهنة في اللوائح التنظيمية.
هذا الفراغ التشريعي لم يترك مكانا فارغا بل فتحه على مصراعيه أمام موجة من بائعي الوهم ومنتحلي الصفة، مما جعل الصحة النفسية للمغاربة رهينة في يد من لا يملك الأهلية، ويطرح سؤالا مركزيا حول أسباب تأخر خروج قانون الأخصائي النفسي رغم الحاجة المجتمعية الملحة.
إن المشكلة في جوهرها ليست نقصا في الكفاءة، بل في غياب الهوية القانونية؛ إذ لا يوجد في القانون المغربي تعريف محدد للأخصائي النفسي كمهنة مستقلة خارج نطاق الوظيفة العمومية، وهو ما يعود جزئيا إلى تداخل التخصصات والصدام الصامت بين الطب النفسي وعلم النفس كعلم إنساني.
هذا البرزخ جعل المشرع يتردد في وضع إطار يفصل بين حدود التدخل الطبي الكيميائي والمواكبة السيكولوجية، مما سمح ببروز فئة “الكوتشينج” والتنمية الذاتية الذين استغلوا هذا الفراغ لفتح مكاتب تحت مسميات هلامية، مستخدمين أدوات علم النفس دون تكوين أكاديمي رصين.
لقد ساهمت العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تعقيد المشهد، خاصة بعد جائحة كوفيد-19 التي رفعت الطلب على الدعم النفسي، وفي ظل غياب خلفية قانونية واضحة، أصبح المواطن يتوجه للأكثر ترويجا لنفسه على وسائل التواصل الاجتماعي وليس الأكثر كفاءة. وهنا نجد أمثلة واقعية صادمة، حيث يتم رصد أشخاص حصلوا على دبلومات تدريبية قصيرة الأمد يمارسون علاج اضطرابات حادة كالاكتئاب والوسواس القهري…، وهي اضطرابات تتطلب مسارا أكاديميا لا يقل عن خمس سنوات، في المقابل يصطر خريجو ماستر علم النفس للعمل تحت مسميات مستشارين/تقنيين من الدرجة الثانية أو في إطار جمعوي هروبا من الملاحقة بتهمة انتحال صفة، مما يحرمهم من حقوقهم المهنية كالتغطية الصحية والتقاعد…
وبالنظر إلى التجارب الدولية، نجد على سبيل الذكر لا الحصر فرنسا أو كندا تحمي لقب الأخصائي النفسي بقوة القانون، حيث يمنع أي شخص لا يحمل شهادة الماستر من حمل هذا اللقب تحت طائلة العقوبات الحبسية، وهو الدرس الذي يحتاجه المغرب بشدة لضبط القطاع. إن استمرار الفراغ الحالي سيؤدي حتما إلى تداعيات خطيرة، منها تفاقم الاضطرابات النفسية بسبب التشخيص الخاطئ، وفقدان ثقة المواطن في العلم النفسي برمته، مما قد يدفع المجتمع نحو البدائل الغيبية أو الشعوذة نتيجة تجارب سيئة مع منتحلي الصفة.
إن قضية تنظيم مهنة الأخصائي النفسي في المغرب ليست ترفا فكريا، بل هي قضية أمن صحي بامتياز، فالخريج الذي قضى سنوات في دراسة السيكولوجية يستحق إطارا يحميه، والمواطن الذي يعاني في صمت يستحق حماية من تجار الأزمات. وتتطلب المرحلة الحالية إحداث هيئة وطنية للأخصائيين النفسيين تكون مسؤولة عن منح التراخيص ومراقبة الأخلاقيات، مع ضرورة تقنين اللقب وحصره في الشواهد الأكاديمية المعترف بها. إن مستقبل المغرب يعتمد على توازن أفراده النفسي، وإصلاح هذا القطاع هو استثمار حقيقي في السلم المجتمعي، فاالسليم لا يستقيم إلا في بيئة قانونية سليمة تحميه من الفوضى والعشوائية.