
تعد مهن العمل الاجتماعي في المغرب اليوم حجر الزاوية في بناء الدولة الاجتماعية المعاصرة، وهي لم تعد مجرد وظيفة إدارية نمطية أو عملا تطوعيا عابرا، بل أضحت جسرا إنسانيا وتقنيا يربط بين الفئات الهشة وحقوقها الأساسية. يطرح الواقع السوسيو-اقتصادي الحالي تساؤلا جوهريا حول كيفية تحول هذا الدور من مجرد إحسان أو عمل خيري إلى باقة من المهن المهيكلة التي تخضع لضوابط قانونية وأكاديمية صارمة تعيد تعريف التدخل الاجتماعي في الميدان. هذا التحول البنيوي يعكس رغبة الدولة في مأسسة العمل الاجتماعي، حيث لم يعد كافيا امتلاك الرغبة في المساعدة، بل أصبح لزاما امتلاك الكفاءة العلمية والاعتماد الرسمي الذي يثبت القدرة على إدارة الأزمات الإنسانية بمهنية عالية. إننا أمام ثورة صامتة تهدف إلى تجويد التدخلات وضمان حماية المهني والمستفيد على حد سواء، في ظل تحديات ديموغرافية وقيمية متزايدة تفرض مقاربات علمية رصينة تتجاوز الحلول التقليدية.
يأتي هذا التحول في سياق تنزيل القرار الوزاري رقم 827.25، الذي يعد بمثابة شهادة ميلاد قانونية وهيكلية لمجال العمل الاجتماعي بالمغرب، حيث يرسخ حقيقة كبرى مفادها أن العمل الاجتماعي ليس مهنة واحدة وحيدة، بل هو منظومة مهن متكاملة ومتعددة التخصصات. وتتجسد قوة هذه المنظومة في هيكلتها الهرمية التي تتيح تدرجا دقيقا في مستويات التدخل والمسؤولية وفق خمس محطات أكاديمية، تبدأ بمستوى التأهيل المهني، يليه مستوى التقني، ثم مستوى التقني المتخصص. وتكتمل هذه الهيكلة بمستوى الإجازة المهنية، وصولا إلى مستوى الماستر المتخصص. هذا التدرج يضمن أن لكل تدخل اجتماعي مستوى كفاءة مقابل له، مما يمنع تداخل الاختصاصات ويحقق النجاعة المطلوبة.
إن التحليل العميق لهذا المسار يكشف عن رغبة في إنهاء عهد العشوائية وفتح باب الممارسة فقط أمام هؤلاء المتخصصين الذين تلقوا تكوينا يزاوج بمهارة بين علم النفس، وعلم الاجتماع، والقانون. فالمجتمع يمر بتحولات عميقة تفرض وجود مهنيين قادرين على فك شفرات المشاكل المعقدة، حيث لم يعد المتدخل الاجتماعي مجرد شخص يقدم دعما ظرفيا، بل أصبح متدخلا استراتيجيا يحلل الحالة، يضع خطة التدخل المتكاملة، ويرافق الفرد نحو الاستقلالية والاندماج الكامل في النسيج الوطني. وتتجلى أهمية التدخل الاجتماعي المهني في كونه يمثل صمام أمان للمجتمع، فالتدخل العلمي المدروس هو الذي يمنع تحول المشاكل البسيطة إلى كوارث اجتماعية مستعصية، مما يجعل من هذه المهن باقة متكاملة تغطي كافة مناحي الحياة الإنسانية بأسلوب لا يمكن تعويضه بالعمل التطوعي غير المنظم.
تتعدد زوايا النظر إلى هذه المنظومة المهنية من عدة أبعاد، فمن الناحية الاقتصادية يساهم التدخل الاجتماعي المحترف في تقليص التكاليف غير المباشرة للمشاكل الاجتماعية عبر معالجتها في مهدها، مما يوفر على ميزانية الدولة مبالغ ضخمة كانت ستنفق على معالجة آثار الجريمة أو التفكك الأسري. ومن الناحية السياسية يعد تقنين هذه المهن وتعددها التزاما بالتوجهات الكبرى للدولة وبالاتفاقيات الدولية التي تفرض وجود أجهزة تتبع اجتماعي محترفة ومؤهلة تأهيلا عاليا. أما من الناحية العلمية فإن الربط بين التكوين الجامعي والممارسة الميدانية يرفع من شأن التدخل الاجتماعي ويجعله قابلا للقياس والتقييم، بعيدا عن منطق الاجتهادات الشخصية، مما يضمن تدخلا يحترم الكرامة الإنسانية ويحقق النتائج المرجوة.
يبرز جانب الوساطة الأسرية كأحد أهم تجليات التدخل الاجتماعي الحديث، وهي تخصص قائم بذاته يهدف إلى حماية النواة الصلبة للمجتمع من التفكك عبر تدبير النزاعات وتيسير الحوار. وفي ذات السياق، تأتي أهمية التدخل الموجه للأشخاص المسنين، حيث يتحول العمل هنا إلى معركة من أجل صيانة الكرامة وتحقيق الإدماج الفعلي، وضمان ألا تتحول هاته المرحلة إلى فصل من فصول العزلة، من خلال تصميم برامج تنشيطية (Activités d’animation) تحافظ على توازنهم النفسي والاجتماعي. كما لا يمكن إغفال الأهمية القصوى للتدخل الاجتماعي في مجال الأشخاص في وضعية إعاقة، حيث يهدف العمل المهني هنا إلى تفكيك العقبات السوسيو-تربوية وتيسير ولوج هذه الفئة لحقوقها الأساسية، مما يحولها من فئة مستهلكة للخدمات إلى فئة فاعلة ومنتجة.
إن الدوافع الجذرية لهذا التوجه نحو التقنين وتعدد التخصصات تكمن في الرغبة الأكيدة في حماية الفئات الهشة من التدخلات الخاطئة التي قد تزيد من معاناتها، فالتدخل الاجتماعي في حالات حساسة مثل ضحايا العنف أو الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم يتطلب احترافية ودقة علمية متناهية. إن مأسسة هذه المهن تضمن أن كل خطوة ميدانية تتم تحت مظلة قانونية وأخلاقية واضحة، مما يضفي مشروعية على عمل المهنيين ويسهل عملية تتبع مسارات المستفيدين. هذا التكامل بين القانون والعلم هو ما يصنع اليوم صورة المتدخل الاجتماعي الحديث الذي لا يكتفي بالتعاطف، بل يمتلك الزاد المعرفي اللازم لإحداث تغيير حقيقي ومستدام في حياة الأفراد والأسر.
بالانتقال إلى التحليل المقارن، نجد أن المغرب عبر هذا القرار الوزاري والهيكلة الجديدة يسير بخطى ثابتة نحو النماذج الدولية الاحترافية، حيث لم تعد المساعدة الاجتماعية مهنة معزولة، بل أصبحت عائلة مهنية تضم تخصصات دقيقة وشاملة. الدروس فالمستفادة من التجارب الرائدة تشير إلى أن جودة الخدمة الاجتماعية مرتبطة بتعدد التخصصات ومستوى تكوين الممارسين. إن الرهان على مهننة القطاع هو خطوة جبارة لرفع القيمة الاعتبارية لمهن العمل الاجتماعي، مما يجذب كفاءات شابة مؤهلة علميا لولوج سوق شغل واعد وحقيقي. التحدي الحقيقي اليوم يكمن في ضمان ممارسة مهنية تجمع بين الشهادة والمهارة، وبين الالتزام الأخلاقي والقدرة التقنية على مواجهة تعقيدات الواقع الاجتماعي المتغير.
إن التداعيات المباشرة لهذا التعدد المهني والتقنين القانوني ستظهر في تحسن ملحوظ في جودة الاستقبال والمواكبة في المؤسسات الاجتماعية، حيث سيصبح لكل فئة مستهدفة متخصص يفهم لغتها واحتياجاتها الدقيقة. أما على الأمد المتوسط، فمن المتوقع أن يساهم هذا النظام في خلق حركية اقتصادية واجتماعية، محولا العمل الاجتماعي إلى قطاع منتج للقيم ولفرص الشغل. التداعيات غير المباشرة ستشمل تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، فعندما يدرك المواطن أنه يتعامل مع خبير معتمد في تخصص اجتماعي دقيق، ستزداد فاعلية التدخلات وستقل مقاومة التغيير، مما يسرع من وتيرة الإصلاح المنشود ويقوي اللحمة الوطنية.



