من هرمز إلى وول ستريت: كيف تعيد حرب الثلاثين يوماً تشكيل النظام العالمي؟
بقلم : ايت الزي يونس

بعد 30 يوماً من القتال، لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى زلزال استراتيجي كشف حدود القوة الأمريكية، وأطاح بأساطير التفوق العسكري، وأعاد رسم خريطة الطاقة العالمية، وضرب الأسواق المالية في الصميم. ما بدأ كـ”عملية خاطفة” لتحييد البرنامج النووي الإيراني تحول إلى حرب استنزاف مكشوفة، حيث يدفع الجميع ثمناً باهظاً: أمريكا تفقد هيبتها، إسرائيل تستنزف، إيران تصمد، والصين وروسيا يراقبان من خلف الستار استعداداً لعالم متعدد الأقطاب.
أولاً: سقوط أساطير الردع – من القبة الحديدية إلى حاملة الطائرات
في الأيام الأولى، راهنت واشنطن على تفوقها التكنولوجي المطلق. لكن الميدان كشف عن هشاشة هذا الافتراض. طائرة الشبح F-35، التي تعتبر العمود الفقري للتفوق الجوي الأمريكي، تعرضت لإصابة في سماء إيران وهبطت اضطرارياً في قاعدة أمريكية. حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” أُصيبت بصواريخ كروز إيرانية وانسحبت من الخليج، في مشهد لم تشهده البحرية الأمريكية منذ عقود.
أما أنظمة الدفاع الجوي، فكانت المفاجأة الأكبر. منظومتا “ثاد” و”باتريوت”، اللتان تشكلان الدرع الأمريكي في المنطقة، تعرض رادارهما في قطر والإمارات والأردن لأضرار بالغة، وتم استنزاف مخزون صواريخهما الاعتراضية بمعدلات غير مسبوقة. السرعة القاتلة التي أظهرتها الصواريخ الفرط صوتية الإيرانية (فتاح) والمسيرات الرخيصة (شاهد-136) أثبتت أن أنظمة الدفاع المصممة لحرب القرن العشرين غير قادرة على مواجهة تهديدات القرن الحادي والعشرين.
الدرس الذي وصل إلى موسكو وبكين واضح: إذا كانت إيران المحاصرة بالعقوبات قادرة على اختراق الدفاعات الأمريكية، فإن ترسانة روسيا والصين الأكثر تطوراً تشكل تهديداً وجودياً لا تستطيع واشنطن مواجهته. معادلة الاعتراض سقطت، وعصر الردع القائم على التدمير المتبادل وحده قد بدأ.
ثانياً: الطاقة سلاح – من هرمز إلى باب المندب
إيران لم تخض هذه الحرب بطائراتها فقط، بل بسلاح أكثر فتكاً: شريان الطاقة العالمي. مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي، مغلق فعلياً منذ الأسبوع الأول للحرب. حركة الناقلات انخفضت بنسبة 95%، وأقساط التأمين قفزت 50%، وارتفع سعر النفط من 70 إلى 103 دولارات للبرميل في شهر واحد.
الورقة الأكثر خطورة لم تُستخدم بعد: مضيق باب المندب. إذا دخل الحوثيون المعركة بإغلاق هذا المضيق، فإن 30% من إمدادات النفط العالمية ستتوقف، وقد تصل الأسعار إلى 200 دولار للبرميل، مما سيدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود تضخمي غير مسبوق.
دول الخليج، التي راهنت على “المظلة الأمنية الأمريكية”، تجد نفسها اليوم هدفاً مباشراً. منشآت قطر للغاز المسال (التي تنتج 20% من الغاز العالمي) تعرضت لأضرار ستخرج 17% من طاقتها الإنتاجية عن العمل لمدة 3-5 سنوات. الكويت والإمارات والسعودية تدفع ثمن استضافة القواعد الأمريكية.
ثالثاً: الأسواق المالية – من الذهب إلى اليوان
وول ستريت لم تكن بمنأى عن النيران. مؤشر داو جونز انخفض 5.8% في مارس، مسجلاً “تصحيحاً” حاداً، بينما انهارت الأسهم الأوروبية بنحو 9% والآسيوية بنسبة 13-18%. قطاع الطاقة كان الرابح الوحيد، مع مكاسب تجاوزت 35% لشركات النفط الأمريكية.
التحول الأكثر دراماتيكية حدث في سوق السندات. العلاقة التاريخية بين أسعار النفط وعوائد السندات الأمريكية انقلبت رأساً على عقب. فرغم ارتفاع النفط فوق 100 دولار، انخفضت عوائد سندات الخزانة، مما يعني أن السوق لم يعد يخشى التضخم فقط، بل بدأ يسعّر الركود، متوقعاً أن الحرب الطويلة ستخنق النمو العالمي.
الذهب قفز إلى أعلى مستوى في التاريخ (5162 دولاراً للأونصة)، متجاوزاً السندات الأمريكية كملاذ آمن. أما الدولار، فرغم صعوده المؤقت، فإن إيران فرضت على السفن الصينية رسوماً بعملة اليوان، مما يضرب الهيمنة المالية الأمريكية في عمقها. بكين تتعلم الدرس: من يمتلك الطاقة، يمتلك القدرة على تحدي الدولار.
رابعاً: صمود إيران – بين العزلة والمحور
رغم اغتيال المرشد علي خامنئي وقادة الحرس الثوري في الضربة الافتتاحية، ورغم تدمير 92% من قدراتها الصاروخية، لم تنهار إيران. القيادة الجديدة (مجتبى خامنئي) صمدت، والمضيق ظل مغلقاً، وحزب الله أطلق 90 هجوماً يومياً على إسرائيل، والميليشيات العراقية استهدفت القواعد الأمريكية، والحوثيون هددوا بدخول المعركة.
روسيا والصين، رغم أنهما لن تخوضا حرباً مباشرة مع أمريكا، تقدم دعمهما الاستخباراتي والسياسي. موسكو تزود طهران بصور أقمار صناعية، وبكين تشتري نفطها وتدرس إنشاء “ممر آمن” لسفنها عبر هرمز. الرسالة إلى واشنطن: إيران ليست وحدها، وانهيارها ليس في مصلحتنا.
خامساً: أمريكا وإسرائيل – انتصار تكتيكي وهزيمة استراتيجية؟
أمريكا حققت أهدافها العسكرية المعلنة: دمرت المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، واغتالت قادتها. لكنها فشلت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية: فتح مضيق هرمز، وردع إيران، واستعادة هيبتها. القواعد الأمريكية في الخليج دمرت، والجنود يعملون من الفنادق، وأسعار البنزين تجاوزت 4 دولارات للغالون، واستطلاعات الرأي تظهر أن 60% من الأمريكيين يعارضون الحرب.
الانقسام الداخلي وصل إلى قمة الإدارة. استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، بتهمة أن الحرب “بدأت لصالح إسرائيل وليس أمريكا”، كشفت حجم الغضب داخل تيار “أمريكا أولاً”. تكر كارلسون وغيره من كبار المحافظين انقلبوا على ترامب، متهماً إياه بالتخلي عن وعوده الانتخابية.
أما إسرائيل، فرغم أنها حققت إنجازات عسكرية (اغتيال خامنئي، تدمير القدرات الإيرانية)، فإنها تدفع ثمناً باهظاً: جبهة لبنان مفتوحة، والحوثيون دخلوا المعركة، والاقتصاد ينهار، و500 ألف إسرائيلي نازحون من الشمال. الانتصار العسكري لم يترجم إلى نصر استراتيجي، بل حول إسرائيل إلى دولة تحت الحصار.



